هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ قِيلِ إِبْرَاهِيمَ لِلْآلِهَةِ؛ وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ مِنْ ذِكْرِهِ، وَهُوَ: فَقَرَّبَ إِلَيْهَا الطَّعَامَ فَلَمْ يَرَهَا تَأْكُلُ، فَقَالَ لَهَا: {أَلَا تَأْكُلُونَ} فَلَمَّا لَمْ يَرَهَا تَأْكُلُ قَالَ لَهَا: مَا لَكُمْ لَا تَأْكُلُونَ، فَلَمْ يَرَهَا تَنْطِقُ، فَقَالَ لَهَا: {مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ} مُسْتَهْزِئًا بِهَا، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَنَّهُ فَعَلَ بِهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ بِذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَمَالَ عَلَى آلِهَةِ قَوْمِهِ ضَرْبًا لَهَا بِالْيَمِينِ بِفَأْسٍ فِي يَدِهِ يَكْسرُهُنَّ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ بِمَعْنَى: فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ، وَيَقُولُ: الْيَمِينُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْقُوَّةُ وَبَعْضُهُمْ كَانَ يَتَأَوَّلُ الْيَمِينَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْحَلِفُ، وَيَقُولُ: جَعَلَ يَضْرِبُهُنَّ بِالْيَمِينِ الَّتِي حَلَفَ بِهَا بِقَوْلِهِ: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ} ، وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «فَرَاغَ عَلَيْهِمْ صَفْقًا بِالْيَمِينِ»
وَقَوْلُهُ: {فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ}
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: {فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ} بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ مِنْ قَوْلِهِمْ: زَفَّتِ النَّعَامَةُ، وَذَلِكَ أَوَّلُ عَدْوِهَا وَآخَرُ مَشْيِهَا؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:
[البحر الطويل]
وَجَاءَ قَرِيعُ الشَّوْلِ قَبْلَ إِفَالِهَا ... يَزِفُّ وَجَاءَتْ خَلْفَهُ وَهْيَ زُفَّفُ