فَمَأْخَذُ الطَّهَارَةِ أَنَّ سَبَبَ تَنْجِيسِ الْمَيْتَةِ مُنْتَفٍ فِي الْعِظَامِ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَتِهَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى اللَّحْمِ؛ لِأَنَّ احْتِقَانَ الرُّطُوبَاتِ وَالْفَضَلَاتِ الْخَبِيثَةِ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ الْعِظَامِ، كَمَا أَنَّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً لَا يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ، وَهُوَ حَيَوَانٌ كَامِلٌ، لِعَدَمِ سَبَبِ التَّنْجِيسِ فِيهِ. فَالْعَظْمُ أَوْلَى، وَهَذَا الْمَأْخَذُ أَصَحُّ وَأَقْوَى مِنَ الْأَوَّلِ، وَعَلَى هَذَا، فَيَجُوزُ بَيْعُ عِظَامِ الْمَيْتَةِ إِذَا كَانَتْ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرِ الْعَيْنِ.
وَأَمَّا مَنْ رَأَى نَجَاسَتَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، إِذْ نَجَاسَتُهَا عَيْنِيَّةٌ، قَالَ ابن القاسم: قَالَ مالك: لَا أَرَى أَنْ تُشْتَرَى عِظَامُ الْمَيْتَةِ وَلَا تُبَاعَ، وَلَا أَنْيَابُ الْفِيلِ، وَلَا يُتَّجَرُ فِيهَا، وَلَا يُمْتَشَطُ بِأَمْشَاطِهَا، وَلَا يُدَّهَنُ بِمَدَاهِنِهَا، وَكَيْفَ يُجْعَلُ الدُّهْنُ فِي الْمَيْتَةِ وَيُمَشِّطُ لِحْيَتَهُ بِعِظَامِ الْمَيْتَةِ، وَهِيَ مَبْلُولَةٌ، وَكَرِهَ أَنْ يُطْبَخَ بِعِظَامِ الْمَيْتَةِ، وَأَجَازَ مطرف، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ بَيْعَ أَنْيَابِ الْفِيلِ مُطْلَقًا، وَأَجَازَهُ ابن وهب، وأصبغ إِنْ غُلِيَتْ وَسُلِقَتْ، وَجَعَلَا ذَلِكَ دِبَاغًا لَهَا. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...