ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده فيتصرف فيه بفعله وهو قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس 83]
فتبارك الذي تكلم بهذا الكلام الذي جمع في نفسه بوجازته وبيانه وفصاحته وصحة برهانه كل ما تلزم الحاجة إليه من تقرير الدليل وجواب الشبهة ودحض حجة الملحد وإسكات المعاند بألفاظ لا أعذب منها عند السمع ولا أحلى منها ومن معانيها للقلب ولا أنفع من ثمرتها للعبد.
[فصل بَيْعُ عَظْمِ الْمَيْتَةِ]
وَأَمَّا عَظْمُهَا، فَمَنْ لَمْ يُنَجِّسْهُ بِالْمَوْتِ، كأبي حنيفة، وَبَعْضِ أَصْحَابِ أحمد، وَاخْتِيَارِ ابن وهب مِنْ أَصْحَابِ مالك، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَهُمْ، وَإِنِ اخْتَلَفَ مَأْخَذُ الطَّهَارَةِ، فَأَصْحَابُ أبي حنيفة قَالُوا: لَا يَدْخُلُ فِي الْمَيْتَةِ، وَلَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُهَا، وَمَنَعُوا كَوْنَ الْأَلَمِ دَلِيلَ حَيَاتِهِ، قَالُوا: وَإِنَّمَا تُؤْلِمُهُ لِمَا جَاوَرَهُ مِنَ اللَّحْمِ لَا ذَاتِ الْعَظْمِ، وَحَمَلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: {قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ أَصْحَابَهَا. وَغَيْرُهُمْ ضَعَّفَ هَذَا الْمَأْخَذَ جِدًّا، وَقَالَ: الْعَظْمُ يَأْلَمُ حِسًّا، وَأَلَمُهُ أَشَدُّ مِنْ أَلَمِ اللَّحْمِ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ؛ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَقْدِيرُ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ. الثَّانِي: أَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ يَسْتَلْزِمُ الْإِضْرَابَ عَنْ جَوَابِ سُؤَالِ السَّائِلِ الَّذِي اسْتَشْكَلَ حَيَاةَ الْعِظَامِ، «فَإِنَّ أبي بن خلف أَخَذَ عَظْمًا بَالِيًا، ثُمَّ جَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَفَتَّهُ فِي يَدِهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَتَرَى اللَّهَ يُحْيِي هَذَا بَعْدَمَا رُمَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (نَعَمْ، وَيَبْعَثُكَ، وَيُدْخِلُكَ النَّارَ) » .