الحق سبحانه حكى عن رسوله أن الكفار اتهموه فقالوا ساحر وشاعر وقالوا كاهن، لكن القرآن رَدَّ عليهم في مسألة الشعر، ونفى أن يقول الرسول شعراً {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} يس 69 ولم يَنْفِ عنه السحر ولا الكهانة، لماذا؟ قالوا لأن مهمة رسول الله بلاغ القرآن عن الله، والقرآن من جنس الأساليب الراقية، وأقرب شيء إليه الشعر لذلك نفاه القرآن، أما السحر فطلاسم وكلام لا معنى له، فلم يَقُلْ وما علمناه السحر. ولو أن لهذه الكلمة مدلولاً لكان الرد عليها سهلاً، فإذا كان محمداً ساحراً سحر المؤمنين به، فلماذا لم يسحركم أنتم أيضاً، إذن تكذيبكم له وكفركم به أدَلُّ شيء على أنه ليس ساحراً، وهل للمسحور إرادة مع الساحر. وفي قولهم كاهن ردٌّ عليهم
{وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ}
الحاقة 42 لأن قَوْلَ الكاهن كلام مسجوع سَجْعاً بارداً، والقرآن خلاف هذا كله، ثم إنكم أهل فصاحة وبيان، وأنتم أعلم الناس بالأساليب والتمييز بينها، فهل يخفى عليكم أنْ تفرقوا بين القرآن وغيره من الكلام وأنتم أمة كلام، وتجعلون للكلمة أسواقاً ومعارض؟ ثم يُبيِّن الحق سبحانه العلة في عدم قول الرسول للشعر، فيقول سبحانه {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} يس 69 إن هنا بمعنى ما النافية. يعني ما هذا القرآن إلا تذكير لمن يعقل وقرآن مبين. أي بيِّن واضح يُتلَى، وقد يكون له نَغَم ألذّ في أذن الوَرع من الشعر، لذلك بعض الناس يسمع القرآن فتأخذه نشوة وإعجاب، ولو سألته تجده لا يعرف ما يحدث له، لماذا؟ قالوا لأن الذي يتكلم الله، والذي يسمع خلق الله، فالله تعالى يتكلم بالكلام الذي يؤثر ويستميل المخلوق لله الذي ما يزال على فطرته التي فطر الناس عليها، فإنْ خرج عن هذه الفطرة لم يؤثر فيه القرآن هذا التأثير، ذلك لأن القرآن واحد أمَّا الفطرة المستقبلة فتختلف. والحق سبحانه يشرح لنا هذه المسألة في قوله تعالى
{وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً}
محمد 16 فأمره الله أنْ يردّ عليهم
{قُلْ هُوَ}
فصلت 44 أي القرآن
{لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى}