فصلت 44. ذلك لأن فاعلَ الشيء غير قابله، وسبق أن مثَّلْنا لذلك بكوب الشاي الساخن تنفخ فيه ليبرد، وفي الشتاء تنفخ في يديك لتُدفئها، فالنفخة واحدة، لكن المستقبل لها مختلف، كذلك حال الناس في تلقِّى القرآن، فمَنْ تلقى كلام الله بفطرة سليمة فهمه وتأثر به، ومَنْ تلقى كلام الله وهو منشغل عنه أُغْلِق عليه، فلم يفهم عن الله ولم يتأثر بكلامه. لذلك نرى بعض الناس من غير العرب لا ينطق بكلمة عربية، لكنه ساعة يسمع أو يقرأ كلام الله تجد له انفعالَ مواجيد، وتدمع عيناه، لماذا؟ لا بد أن شيئاً في تكوينه تأثر بهذا الأسلوب.
وإذا كان الحق سبحانه أوحى إلى الجماد فانفعل لكلامه، وأوحى إلى الحيوان ففهم عنه، فمن باب أَوْلَى يكلم الإنسان العاقل بكلام يصادف طبيعته ويؤثر فيه، فيتأثر وينفعل. ثم يقول سبحانه مبيِّناً مهمة هذا الذِّكْر وهذا القرآن المبين {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً} يس 70 نعم، سماهم أحياء وخطابك لهم دليل على أنهم أحياء، لكن أحياء الحياة المادية التي تنتهي بالموت، إنما هناك حياة أخرى بالعقل والفكر وبالقيم الروحية، وهذه لا يظهر أثرها إلا بعد الموت. والناس جميعاً يشتركون في الحياة المادية لذلك يُسمَّى العنصر الذي يدخل على الحياة المادية لتأخذ طابع الحياة الروحية الروح، فالروح روح من أمره سبحانه، وبعد أنْ يعطيه الروح التي تحيا بها المادة يعطيه الروح التي تحيا بها القيم، وحياة القيم قُلْنا إنها ترتقي بك لتعطيك قيمة في الآخرة، وقد تعطيك في الدنيا راحة البال واستقامة واستقراراً، لكن تظل الحياة الحقيقية في الآخرة. فإذا شاء الله أُعْطِي الإنسانُ حياةً موصولة كما أعطي سيدنا يحيى، فلما دعا سيدنا زكريا ربه
{قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً}
مريم 4 - 6. فأجابه الله
{يزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً}