فأجاد في الأولى، ولم يُوفَّق في الثانية. وسيدنا حسان بن ثابت، كان شاعراً مجيداً في الجاهلية، فلما أسلم قالوا له لاَنَ شعرك يا أبا الحسام. فقال الشعر نكِد يَقْوى في الشر، فإذا دخل في الخير ضعُفَ ولاَنَ. فقوله تعالى {وَمَا يَنبَغِي لَهُ} يس 69 دفع عن رسول الله الاتهام بأن طبيعته ليست شاعرية، أو أنه غير مُرْهف الحس، وأن أذنه غير موسيقية، إلى آخر هذا الهراء، وكيف يُتَّهم بهذا مَنْ علَّمه الله، وباشرتْ أذنه الوحي؟ أما القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنشد الشعر، نعم أنشد رسول الله الشعر، لكن لم ينشده مستقيماً، بل خالف فيه حتى لا يظلَّ البيتُ على استقامة وزنه، فلما أنشد
سَتُبْدِي لَكَ الأيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً ... وَيأْتِيكَ مَنْ لَم تُزوِّدِ بِالأَخْبَارِ
وورد أنه صلى الله عليه وسلم قال"أصدق كلمة قالها لبيد"
أَلاَ كُلُّ شيءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ ... وَكُلُّ نَعيمٍ زائِلٌ لاَ مَحَالَةَ
والصواب
أَلاَ كُلُّ شيءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلٌ ... وَكُلُّ نَعيمٍ لاَ مَحَالَةَ زَائِلُ
إذن كان سيدنا رسول الله يكسر وزن البيْت، حتى لا يقال إنه أنشد الشعر، مع أن الله تعالى قال {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} يس 69 لكن لم يَنْه رسول الله عن إنشاده، فكأن رسول الله يحتاط للأمر، فيقول ولا أنشده أيضاً، ليكون بعيداً عنه كلية. هذا عن الإنشاد، أما عن قوله الشعر بنفسه، فيرى البعض أنه صلى الله عليه وسلم قال شعراً مثل قوله في غزوة حنين
أَنَا النَّبيُّ لاَ كَذِب أَنَا ابْنُ عَبْدِ المطَّلِبِ.
نعم جاء هذا القول من رسول الله موافقاً لوزن شعريٍّ يسمونه الرَّجز، فهو قول صادف وزناً شعرياً وفرْق بين نَظْم الكلام وإخضاعه للوزن والقافية، وبين كلام يصادف وزناً دون قصد، وإلا ففي القرآن نفسه آيات صادفت وزناً شعرياً، فهل نقول إنها شعر؟ واقرأ مثلاً
{لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ..} آل عمران 92.
{فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} يوسف 32.
{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}
الحجر 49. هذه وغيرها آيات صادفت وزناً شعرياً، لكنها لا تُسمَّى شعراً لأن الشعر قول موزون مُقفَّى قصداً.