وإنما نفي الإدراك لأنه هو الذي يمكن أن يقع ، وذلك يستدعي تقدم القمر وتبعية الشمس ، فإنه لا يقال: أدرك السابق اللاحق ، ولكن: أدرك اللاحق السابق ، وبحسب الإمكان توقيع النفي ، فالليل إذاً متبوع والنهار تابع . فإن قيل: هل يلزم على هذا أن يكون الليل سابق النهار ، وقد صرحت الآية بأنه ليس سابقاً ؟
فالجواب أن هذا مشترك الإلزام . وبيانه: أن الأقسام المحتملة ثلاثة: إما تبعية النهار لليل وهو مذهب الفقهاء ، أو عكسه وهو المنقول عن طائفة من النحاة ، أو اجتماعهما . فهذا القسم الثالث منفي بالاتفاق . فلم يبق إلا تبعية النهار لليل وعكسه . وهذا السؤال وارد عليهما جميعاً ؛ لأن من قال إن النهار سابق الليل لزمه أن يكون مقتضى البلاغة أن يقال: ولا الليل يدرك النهار ؛ فإن المتأخر إذا نفي إدراكه كان أبلغ من سابقه . مع أنه يتناءى عن مقتضى قوله: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ} تنائيّاً لا يجمع شمل المعنى باللفظ ، فإن الله تعالى نفى أن تكون مدركة ، فضلاً عن أن تكون سابقة .