فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 370457 من 466147

إن من حقائق الجهل التي لا يمترى فيها أن الجاهل يفهم الأمور معكوسة كعقله المعكوس ، فيتراءى له الحق باطلاً ، والباطل حقاً ، والصواب خطأ ، والخطأ صواباً ، ولا تكون الحقائق عنده إلاَّ ما يرى ، ولذلك فلا لقاء بينه وبين كل من يرى على بصيرة ، بل لا لقاء بينه وبين الحقائق .

وما الحمق الذي يأنف الناس منه ، ويتنزهون عنه ، ويعيبون صاحبه - ما الحمق في كل معانيه إلاَّ صفة من صفات الجهل في بعض معانيه .

والجهل وإن كان ذماً للمرء ، وإزراء به ، ونقصاً له ، إلاَّ أنه لا يكون عيباً لصاحبه إذا كان صاحبه يعرف جهله ، ويستخزي به ، ويحاول التخلص منه ، بالتواضع للعلماء ، ومجالستهم ، والتقرب إليهم ، وملازمة مجالسهم ، ليمسح بعلمهم جهله ، ويكمل بفضلهم نقصه ، ويسمو بإرشاداتهم إلى صفهم ، بل ربما فاقهم ، وهو كلما ازداد علماً ازداد توضعاً وأدباً وحياء ، ولكن قاصمة الظهر عند الجاهل الذي لا يعلم أنه جاهل ، بل يظن بجهله أنه أعلم علماء الأرض ، ولذلك تجده يترفع على العلماء لأنه يرى نفسه أعلم منهم ، فيحرمُ علمهم ، ويمنعُ إرشادهم وفضلهم ، ويسقطُ في حمأة الجهل ليصطبغ به ، وتفوحَ منه رائحته ، حتى ينفر منهم كل من عرفه .

ولذلك قال الشاعر:

وإن عَناءً أن تُعلمَ جاهلاً ويحسَبُ جهلاً أنه منك أعلمُ

كم قال أبو تمام:

إذا محاسِنِيَ اللاّتي أُدِلُّ بها كانت ذنوبي ، فقل لي كيف أَعتذرُ

عليَّ نحتُ القوافي من معادِنِها وما عليَّ لهم أن يفهم البقرُ

لقد لقيت يوماً أحد الجهلة المتعالمين ممن وصفت قد جلس إليه أحد نظرائه وأشباهه في خُلُقِه لا في الخلق ، فكانا في تقابلهما ونظر أحدهما إلى الآخر كمن ينظر في المرآة ، ولكن لا ليرى خَلْقه ، بل ليرى خُلُقَه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت