يَقْتَضِي حَضًّا عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَإِنْ نَالَكَ ضَرَرٌ، فَهُوَ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُغَيِّرَ يُؤْذَى أَحْيَانًا، وَهَذَا الْقَدْرُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ وَالْقُوَّةِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَأَمَّا عَلَى اللُّزُومِ فَلَا، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا مُسْتَوْفًى فِي (آلِ عِمْرَانَ وَالْمَائِدَةَ) .
وَقِيلَ: أَمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى شَدَائِدِ الدُّنْيَا كَالْأَمْرَاضِ وَغَيْرِهَا، وَأَلَّا يَخْرُجَ مِنَ الْجَزَعِ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجل، وهذا قول حسن لأنه يعم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ الصَّبْرُ عَلَى الْمَكَارِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، أَيْ مِمَّا عَزَمَهُ اللَّهُ وَأَمَرَ بِهِ، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَعَزَائِمِ أَهْلِ الْحَزْمِ السَّالِكِينَ طَرِيقَ النَّجَاةِ.
وَقَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ أَصْوَبُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)
اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ، وَوَحَّدَ الصَّوْتَ وَإِنْ كَانَ مُضَافًا إِلَى الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وَالْمَصْدَرُ يَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ صَاتَ يَصُوتُ صَوْتًا فَهُوَ صَائِتٌ.
وَيُقَالُ: صَوَّتَ تَصْوِيتًا فَهُوَ مُصَوِّتٌ.
(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ(20)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ)
أَيْ أَكْمَلَهَا وَأَتَمَّهَا.
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَيَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ: (وَأَصْبَغَ) بِالصَّادِ عَلَى بَدَلِهَا مِنَ السِّينِ، لِأَنَّ حُرُوفَ الِاسْتِعْلَاءِ تَجْتَذِبُ السِّينَ مِنْ سُفْلِهَا إِلَى عُلُوِّهَا فَتَرُدَّهَا صَادًا.
وَالنِّعَمُ: جَمْعُ نِعْمَةٍ كَسِدْرَةٍ وَسِدَرٍ (بِفَتْحِ الدَّالِ) وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ وَأَبِي عَمْرٍو وَحَفْصٍ.