وقال ابن قتيبة: إنهم كذبوا في هذا الوقت كما كانوا يكذبون من قبل ، وهذا هو الظاهر ؛ لأنهم إن أرادوا لبثهم في الدنيا ، فقد علم كل واحد منهم مقداره ، وإن أرادوا لبثهم في القبور فقد حلفوا على جهالة إن كانوا لا يعرفون الأوقات في البرزخ {كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ} يقال: أفك الرجل: إذا صرف عن الصدق ، فالمعنى: مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون.
وقيل: المراد يصرفون عن الحق.
وقيل: عن الخير ، والأوّل أولى ، وهو دليل على أن حلفهم كذب.
{وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم والإيمان لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كتاب الله إلى يَوْمِ البعث} اختلف في تعيين هؤلاء الذين أوتوا العلم ، فقيل: الملائكة.
وقيل: الأنبياء.
وقيل: علماء الأمم.
وقيل: مؤمنو هذه الأمة ، ولا مانع من الحمل على الجميع.
ومعنى في كتاب الله: في علمه وقضائه.
قال الزجاج: في علم الله المثبت في اللوح المحفوظ.
قال الواحدي: والمفسرون حملوا هذا على التقديم والتأخير على تقدير: وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله ، وكان ردّ الذين أوتوا العلم عليهم باليمين للتأكيد ، أو للمقابلة لليمين باليمين ، ثم نبهوهم على طريقة التبكيت بأن {هذا} الوقت الذي صاروا فيه هو {يَوْمُ البعث ولكنكم كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أنه حق ، بل كنتم تستعجلونه تكذيباً واستهزاء.
{فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يَنفَعُ الذين ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ} أي لا ينفعهم الاعتذار يومئذ ولا يفيدهم علمهم بالقيامة.
وقيل: لما ردّ عليهم المؤمنون سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم يعذروا.
قرأ الجمهور: {لا تنفع} بالفوقية ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتحتية {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} يقال: استعتبته فأعتبني ، أي استرضيته ، فأرضاني ، وذلك إذا كنت جانياً عليه ، وحقيقة أعتبته أزلت عتبه ، والمعنى: أنهم لا يدعون إلى إزالة عتبهم من التوبة والطاعة كما دعوا إلى ذلك في الدنيا.