وقال {أُوتُواْ العلم ...} [الروم: 56] ولم يقل: علموا ، كأن العلم ليس كَسْباً ، إنما إيتاء من عَالِم منك يعطيك . فإنْ قُلتَ: أليس للعلماء دور في الاستدلال والنَظر في الأدلة؟ نقول: نعم ، لكن مَنْ نصب لهم هذه الأدلة؟ إذن: فالعلم عطاء من الله .
ثم يقول سبحانه: {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ الله إلى يَوْمِ البعث فهذا يَوْمُ البعث ...} [الروم: 56] يعني: مسألة مرسومة ومنضبطة في اللوح المحفوظ إلى يوم البعث {فهذا يَوْمُ البعث ...} [الروم: 56] الذي كنتم تكذبون به ، أما الآن فلا بُدَّ أنْ تُصدِّقوا فقد جاءكم شيء لا تقدرون على تكذيبه ؛ لأنه أصبح واقعاً ومن مصلحتكم أنْ يقبل عذركم ، لكن لن يقبل منكم ، ولن نسمع لكم كلاماً لأننا قدمنا الإعذار سابقاً .
وقوله تعالى: {ولكنكم كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الروم: 56] في أول الآية قال: {أُوتُواْ العلم ...} [الروم: 56] فنسب العلم إلى الله ، أما هنا فنسبه إليهم ؛ لأن الله تعالى نصب لهم الأدلة فلم يأخذوا منها شيئاً ، ونصب لهم الحجج والبراهين والآيات فغفلوا عنها ، إذن: لم يأخذوا من الدلائل والحجج ما يُوصِّلهم إلى العلم .
ثم يقول الحق سبحانه: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ الذين ...} .
قوله {فَيَوْمَئِذٍ ...} [الروم: 57] أي: يوم قيام الساعة {لاَّ ينفَعُ الذين ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [الروم: 57] أي: لا يُقبَل منهم عذر ، ومعنى {ظَلَمُواْ ...} [الروم: 57] أي: ظلموا أنفسهم ، والظالم يلجأ إلى الظلم ؛ لأنه يريد أن يأخذ من الغير ما عجزتْ حركته هو عن إدراكه .
فالظلم أنْ تأخذ نتيجة عرق غيرك لتحوله إلى دم فيك ، لكن دمك إنْ لم يكُنْ من عَرَقك فهو دم فاسد عليك ، ولا تأتي منه أبداً حركة إجابة في الوجود لا بُدَّ أن تكون نتيجته حركات شر ؛ لأنه دم حرام ، فكيف يتحرك في سبيل الحلال؟