(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(49) . يعطي بعزه ويمنع
بحكمه، فيعتز العبد بعزه، من توجه إليه وعوَّل بنِيَّته عليه ويرضى بحكمه.
فإذا شهد العبد الذليل الملك الجليل قائمًا بالملك والتدبير والتقدير عنده
خزائن كل شيء (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ) لا ينزله إلا بقدر معلوم،
وشاهده قابضًا على نواصي المماليك، له خزائن السماوات من الأحكام والأقدار
الغائبات، وله خزائن الأرض من الأيدي والقلوب والأسباب المشاهدات.
فمن خزائن السماوات: ما قسمه من الرزق ووزعه من الحظوظ، ومن خزائن
الأرض: ما جعله على أيدي الخلق (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ(22) .
(وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20) . فأيقن العبد أن في
يد وكيله ملكوت السماوات والأرض، وأنه يملك السمع والأبصار والأفئدة، يقلب
القلوب والأيدي تقليب الليل والنهار، وأنه حسن التدبير والحكم لا سيما للموقنين،
وأنه أحكم الحاكمين.
هناك قوى العبد فنظر ربه وعز بقوته واستغنى بعزته وشرف بحضوره عنده،
كما جاء في الخبر:"كفى باليقين غنى"فنظر إليه في كل شيء، ووثق به في كل ما
ينوب، واعتمد عليه دون ما سواه، وقنع منه بأدنى شيء، وصبر عليه ورضي عنه، لا
يطمع في سواه ولا يرجو إلا إياه، ولا يشهد في العطاء كله إلا يده، ولا يرى في
المنع إلا حكمته، ولا يعاين في القبض والبسط سوى قدرته، فيومئذٍ حقت عبادته
وخلص توحيده، فعرف الخلق من معرفة خالقه، وطلب الرزق عند رازقه، وشهد
بشهادة ربه جل من شاهد وقال.
يقول الله عز من قائل: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ)
(فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(17)
ومن شأن هؤلاء أنهم لا يحمدون خلقًا ولا يمدحونه؛ لأنه
أعطاهم، ولا يذمونه، لأنه منعهم، فمتى ذموا أو مدحوا فلموافقة الله - جل ذكره -
من حيث أن الله مدح المنفقين والمحسنين نهاية في كرمه، وذم الباخلين والعاصين