والشفرة المباشرة للمفعول، كذلك الخليقة يباشرون الأسباب في ظاهر العيان، والله
من ورائهم محيط، هو الفاعل بلطائف القدرة وخفايا المشيئة.
(فصل)
ذكر تعالى الأسباب؛ لأن الأسماء متعلقة بها، والأحكام عائدة على الأسماء
بالثواب والعقاب، وقد تيقن الموكل أن ما هو له فهو إليه واصل، وأن رزقه عنه غير
فائت لا محالة، لا يكون لغيره أبدًا، وكذلك ما يكون لغيره لا يكون له أبدًا، فقد
نظر إلى حظه من ذلك بعين يقينه الذي تولاه وكيله العزيز الرحيم من أحد ثلاث
مشاهدات:
-ينظر العبد إلى قسمه من العطاء وجميع ما يصيبه أو يفوته، فهو إذًا شاهد
الصحيفة المثبتة له، عند تصوير خلقته رأى أن قد كتب فيها له رزقه وأجله وأثره
وشقي أو سعيد.
-فإن ارتفعت مشاهدته نظر إلى اللوح المحفوظ، وأنه لا يزداد فيه ولا ينقص
بحول ولا قوة، كذلك حظه من الآخرة من جنة أو نار لا بد له من مثال حظه من
ذلك، وإن عمل أي عمل بعد أن يكون قد كتب في اللوح المحفوظ هو قوله للقلم:
"اكتب ما هو كائن".
-ثم إن علت مشاهدته إلى العلي الأعلى لعلو المرتبة ونفاذ العلم وقوة اليقين
وضياء النور في باطنه، إذ مشاهدة كل عبد عن مقامه من معبوده، ومن مكانه في
دنوه أو علوه، وقوله - جل ذكره:"اكتب علمي في خلقي".
(فصل)
فقد كُتبت الأرزاق والحظوظ والآثار من كل شيء كتابًا واحدا في مواضع
ثلاثة؛ توكيدًا للعلم، وتسكينًا للقلوب في القسم في الذكر، ثم في الزبر الأول وهي
الصحف، ثُمَّ في حين خلقه، ثُمَّ أنزل ذلك في كتابا هذا الذي عرفنا به ما سلف من
ذلك، وقال لقمان لابنه: يا بني للإيمان أربعة أركان لا يصلح الإيمان إلا بهن كما لا
يصلح الجسد إلا باليدين والرجلين: التوكل على الله ومبعثه والتسليم لقضاء الله،
والتفويض إلى الله، والرضا بقدر الله تعالى.
(فصل)
وأصل التوكل ومنبعثه: معرفة الله، ثم أخذ النفس بآداب التوكل.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ(122) .
(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) .