وقوله: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 44] ولم تفتح عليهم أبواب الرحمة.
وقال إسحاق بن رَاهْوَيه الحنظلي: تم الكلام عند قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} ثم قال: {فِطْرَةَ الله} أي فطر الله الخلق فِطرة إمّا بجنة أو نار ، وإليه أشار النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله:"كل مولود يولد على الفطرة"ولهذا قال: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله} قال شيخُنا أبو العباس: من قال هي سابقة السعادة والشقاوة فهذا إنما يليق بالفِطرة المذكورة في القرآن ؛ لأن الله تعالى قال: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله} وأما في الحديث فلا ؛ لأنه قد أخبر في بقية الحديث بأنها تبدل وتغيّر.
وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر: الفطرة هي الخِلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه ؛ فكأنه قال: كل مولود يولد على خِلْقة يعرِف بها ربّه إذا بلغ مبلغ المعرفة ؛ يريد خِلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفته.
واحتجوا على أن الفطرة الخِلقة ، والفاطر الخالق ؛ لقول لله عز وجل: {الحمد للَّهِ فَاطِرِ السماوات والأرض} [فاطر: 1] يعني خالقهن ، وبقوله: {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي} [ياس: 24] يعني خلقني ، وبقوله: {الذي فطَرَهُنَّ} [الأنبياء: 56] يعني خلقهن.
قالوا: فالفطرة الخِلقة ، والفاطر الخالق ؛ وأنكروا أن يكون المولود يُفْطَر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار.
قالوا: وإنما المولود على السلامة في الأغلب خِلْقةً وطبعاً وبِنية ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة ؛ ثم يعتقدون الكفر والإيمان بعد البلوغ إذا ميّزوا.
واحتجوا بقوله في الحديث:"كما تُنْتَج البَهِيمةُ بهيمةً جَمعاءً يعني سالمة هل تُحِسّون فيها من جَدْعاء"يعني مقطوعة الأذن.