قوله تعالى: {حنيفاً} قال الزجاج: {الحنيف} : الذي يميل إِلى الشيء ولا يرجع عنه ، كالحَنَف في الرِّجل ، وهو ميلها إِلى خارجها خِلْقة ، لا يقدر الأحنف أن يردَّ حَنَفه وقوله: {فطرةَ الله} منصوب ، بمعنى: اتَّبِع فطرةَ الله ، لأن معنى {فأقم وجهك} : اتَّبِع الدِّين القيِّم ، واتَّبع فطرة الله ، أي: دين الله.
والفطرة: الخِلْقة التي خَلَق اللّهُ عليها البشر.
وكذلك قوله عليه السلام:"كل مولود يولد على الفطرة"، أي: على الإِيمان بالله.
وقال مجاهد في قوله: {فطرة الله التي فطر الناسَ عليها} قال: الإِسلام ، وكذلك قال قتادة.
والذي أشار إِليه الزجاج أصح ، وإِليه ذهب ابن قتيبة ، فقال: فرقُ ما بيننا وبين أهل القَدَر في هذا الحديث ، أن الفطرة عندهم: الإِسلام ، والفطرة عندنا: الإِقرار بالله والمعرفة به ، لا الإِسلام ، ومعنى الفطرة: ابتداء الخِلقة ، والكل أقرُّوا حين قوله: {ألستُ بربِّكم قالوا بلى} [الأعراف: 172] ولستَ واجداً أحداً إِلا وهو مُقِرّ بأنَّ له صانعاً ومدبِّراً وإِن عبد شيئاً دونه وسمَّاه بغير اسمه ؛ فمعنى الحديث: إِن كل مولود في العالَم على ذلك العهد وذلك الإِقرار الأول ، وهو الفطرة ، ثم يهوِّد اليهودُ أبناءهم ، أي يعلِّمونهم ذلك ، وليس الإِقرار الأول ممَّا يقع به حُكم ولا ثواب ؛ وقد ذكر نحو هذا أبو بكر الأثرم ، واستدل عليه بأن الناس أجمعوا على أنه لا يرث المسلُم الكافرَ ، ولا الكافرُ المسلمَ ، ثم أجمعوا على أن اليهوديَّ إِذا مات له ولد صغير ورثه ، وكذلك النصراني والمجوسي ، ولو كان معنى الفطرة الإِسلام ، ما ورثه إِلا المسلمون ، ولا دفن إِلا معهم ؛ وإِنما أراد بقوله عليه السلام:"كل مولود يولد على الفطرة"أي: على تلك البداية التي أقرُّوا له فيها بالوحدانية حين أخذهم مِن صُلْب آدم ، فمنهم من جحد ذلك بعد إِقراره.