وقال أيضاً: إلهي كأني بنفسي وقد أضجعوها فِي حفرتها، وانصرف المشيعون عن تشييعها، وبكى الغريب عليها لغربتها، وناداها من شفير القبر ذو مودتها، ورحمتها الأعادي عند جزعتها، ولم يخف على الناظرين عجز حيلتها، فما رجائي إلا أن نقول: ما تقول ملائكتي انظروا إلى فريد قد نأى عنه الأقربون، ووحيد قد جفاه المحبون، أصبح مني قريباً وفي اللحد غريباً، وكان لي فِي الدنيا داعياً ومجيباً، ولإحساني إليه عند وصوله إلى هذا البيت راجياً، فأحسن إلى هناك يا قديم الإحسان، وحقق رجائي فيك يا واسع الغفران.
وأما أنه لا بدّ من الرجوع إلى الله فلأن سبحانه يأمر بأن ينفخ فِي الصور {فَصَعِقَ مَن فِى السماوات وَمَن فِى الأرض ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر: 68] وقال: {يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} [المعارج: 43] ثم يعرضون على الله كما قال: {وَعُرِضُواْ على رَبّكَ صَفَّا} [الكهف: 48] فيقومون خاشعين خاضعين كما قال: {وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن} [طه: 108] وقال بعضهم: إلهنا إذا قمنا من ثرى الأجداث مغبرة رؤوسنا.
ومن شدة الخوف شاحبة وجوهنا، ومن هول القيامة مطرقة رؤوسنا.
وجائعة لطول القيامة بطوننا، وبادية لأهل الموقف سوآتنا، وموقرة من ثقل الأوزار ظهورنا، وبقينا متحيرين فِي أمورنا نادمين على ذنوبنا، فلا تضعف المصائب بإعراضك عنا، ووسع رحمتك وغفرانك لنا، يا عظيم الرحمة يا واسع المغفرة. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 140 - 141}