انتهى أمر فرعون بهذا الإغراق ، ولكنَّه لمَّا أوشك على الغرق جاء إليه الإيمان متأخرًا ، فكانت المعجزة أنَّ الله أبقاه مثلًا للأخرين ، وأنَّ الله سبحانه يقول مفصِّلًا مهلكه من غير تكرار ، وإن ذكر المقدمات مفصّلًا ، قال سبحانه: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} [يونس: 90 - 92] .
انتهى فرعون ، ونلاحظ هنا ثلاث ملاحظات:
أولاها: إنَّ فرعون كان دائمًا يذكر جنوده على أنهم الذين يوالونه فِي طغيانه ، ويمالئونه فِي عدوانه ، وينصرونه ، والشعب لا يذكر فِي مقام المناصرة لفرعون.
وثانيتها: إنَّ الذين آمنوا من الشعب عدد لا يكون كثرة تهزّ ملك فرعون ، وإذا كانوا كثرة لم يذكروا مع فرعون ؛ لأنهم فريسته ، فلم ينصروا بكثرتهم دعوة موسى ، وكانوا كشأنهم فيما يتعلّق بملوكهم إن خالفوا الحقّ نافق منهم من ينافق ، وتملّق من يتملق ، والشعب وقف موقف النظارة ، ولذلك كانت الهجرة ؛ إذ قلَّ النصير المؤيد ، وكثر العدو المناهض.