ولمّا أتاها الخبر بأنّ فرعون أصابه في النيل قالت: إنّه وقع في يدي عدوه والذي فررت به منه ، فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله سبحانه إليها ، فقال الله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغاً} من الوحي الذي أُوحي إليها ، وقال الكسائي: {فَارِغاً} أي ناسياً ، أبو عبيدة: {فَارِغاً} من الحزن لعلمها بأنّه لم يغرق ، وهو من قول العرب: دم فرغ إذا كان هدراً لا قِوَد فيه ولا دية .
وقال الشاعر:
فإن تك أذواد أصبن ونسوة ... فلن تذهبوا فرغاً بقتل حبال
العلاء بن زيد {فَارِغاً} : نافراً ، وقرأ ابن محيض وفضالة بن عبيد: (فَزِعاً) بالزاي والعين من غير ألف ، {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} قال بعضهم: الهاء في قوله: {بِهِ} راجعة إلى موسى ومعنى الكلام: إنْ كادت لتبدي به أنّه ابنها من شدة وجدها.
أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان ، قال: أخبرنا مكي بن عبدان ، قال: حدّثنا عبد الرحمن ابن بشر ، قال: حدّثنا سفيان ، عن أبي سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} قال: كادت تقول: وا ابناه ، وقال مقاتل: لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر ، فخشيت عليه الغرق ، فكادت تصيح من شفقها عليه ، الكلبي: كادت تُظهر أنّه ابنها ، وذلك حين سمعت الناس وهم يقولون لموسى بعدما شبّ: موسى بن فرعون ، فشق عليها فكادت تقول: لا ، بل هو ابني ، وقال بعضهم: الهاء عائدة إلى الوحي أي {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي} بالوحي الذي أوحينا إليها أن نردّه عليها.