فلمّا خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخلوا على أم موسى ، فقالت أُخته: يا أُماه هذا الحرس بالباب ، فلفّت موسى في خرقة ، فوضعته في التنور وهو مسجور ، فطاش عقلها ، فلم تعقل ما تصنع ، قال: فدخلوا فإذا التنور مسجور ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون ، ولم يظهر لها لبن ، فقالوا: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مصافية لي ، فدخلت عليّ زائرة ، فخرجوا من عندها ، فرجع إليها عقلها ، فقالت لأُخت موسى: فأين الصبي؟ قالت: لا أدري ، فسمعت بكاء الصبي من التنور ، فانطلقت إليه ، وقد جعل الله سبحانه النار عليه برداً وسلاماً فاحتملته.
قال: ثم إنّ أُمّ موسى (عليه السلام) لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها ، فقذف الله سبحانه في نفسها أن تتخذ له تابوتاً ، ثم تقذف بالتابوت في اليمّ وهو النيل ، فانطلقت إلى رجل نجار من أهل مصر من قوم فرعون ، فاشترت منه تابوتاً صغيراً ، فقال لها النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟
قالت: ابن لي أُخبِّئه في التابوت ، وكرهت الكذب ، قال: ولم؟ قالت: أخشى عليه كيد فرعون ، فلمّا اشترت التابوت وحملته وانطلقت ، انطلق النجار إلى أُولئك الذبّاحين يخبرهم بأمر أُمّ موسى ، فلمّا همّ بالكلام أمسك الله سبحانه لسانه فلم ينطق الكلام ، وجعل يشير بيده ، فلمّا يَدرِ الأُمناء ما يقول ، فلمّا أعياهم أمره قال كبيرهم: اضربوه ، فضربوه وأخرجوه .