يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَالَتِ الْمَرْأَتَانِ لِمُوسَى: لَا نَسْقِي مَاشِيَتَنَا حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ مَوَاشِيهِمْ، لَأَنَّا لَا نَطِيقُ أَنْ نَسْقِيَ، وَإِنَّمَا نَسْقِي مَوَاشِينَا مَا أَفْضَلَتْ مَوَاشِي الرِّعَاءِ فِي الْحَوْضِ، وَالرِّعَاءُ جَمْعُ رَاعٍ، وَالرَّاعِي جَمْعُهُ رِعَاءٌ وَرُعَاةٌ وَرُعْيَانُ.
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ،" {قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ} امْرَأَتَانِ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُزَاحِمَ الرِّجَالَ {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} لَا يَقْدِرُ أَنْ يَمَسَّ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَا يَسْقِي مَاشِيَتِهِ، فَنَحْنُ نَنْتَظِرُ النَّاسَ حَتَّى إِذَا فَرَغُوا أَسْقَيْنَا ثُمَّ انْصَرَفْنَا".
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ} ، فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ سِوَى أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئُ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْعِرَاقِ سِوَى أَبِي عَمْرٍو: {يُصْدِرَ الرِّعَاءُ} بِضَمِّ الْيَاءِ، وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ يَصْدُرَ الرِّعَاءُ عَنِ الْحَوْضِ.
وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَإِنَّهُمْ ضَمُّوا الْيَاءَ، بِمَعْنَى: أَصْدَرَ الرِّعَاءُ مَوَاشِيهِمْ، وَهُمَا عِنْدِي قِرَاءَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.
وَقَوْلُهُ: {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} يَقُولَانِ: لَا يَسْتَطِيعُ مِنَ الْكِبَرِ وَالضَّعْفِ أَنْ يُسْقَىَ مَاشِيَتَهُ.
وَقَوْلُهُ: {فَسَقَى لَهُمَا} ذُكِرَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَتَحَ لَهُمَا عَنْ رَأْسِ بِئْرٍ كَانَ عَلَيْهَا حَجَرٌ لَا يُطِيقُ رَفْعَهُ إِلَّا جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ اسْتَسْقَى فَسَقَى لَهُمَا مَاشِيَتَهُمَا مِنْهُ.
عَنْ شُرَيْحٍ، قَالَ: «انْتَهَى إِلَى حَجَرٍ لَا يَرْفَعُهُ إِلَّا عَشْرَةُ رِجَالٍ، فَرَفَعَهُ وَحْدَهُ»
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،" {فَسَقَى لَهُمَا} فَجَعَلَ يَغْرِفُ فِي الدَّلْوِ مَاءً كَثِيرًا حَتَّى كَانَتْ أَوَّلَ الرِّعَاءِ رَيًّا، فَانْصَرَفَتَا إِلَى أَبِيهِمَا بِغَنَمِهِمَا"
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: «أَخَذَ دَلْوَهُمَا مُوسَى، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى السِّقَاءِ بِفَضْلِ قُوَّتِهِ، فَزَاحَمَ الْقَوْمَ عَلَى الْمَاءِ حَتَّى أَخَّرَهُمْ عَنْهُ، ثُمَّ سَقَى لَهُمَا»