وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَبِعُقْرِ حَوْضِي أَذُودُ النَّاسَ عَنْهُ بِعَصَايَ» فَقَدْ جَعَلَ الذَّوْدَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ؛ وَمَنَ الذَّوْدِ قَوْلُ سُوَيْدِ بْنِ كُرَاعٍ:
[البحر الطويل]
أَبِيتُ عَلَى بَابِ الْقَوَافِي كَأَنَّمَا ... أَذُودُ بِهَا سِرْبًا مِنَ الْوَحْشِ نُزَّعَا
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
[البحر الوافر]
وَقَدْ سَلَبَتْ عَصَاكَ بَنُو تَمِيمٍ ... فَمَا تَدْرِي بِأَيِّ عَصًا تَذُودُ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِي كَانَتْ عَنْهُ تَذُودُ هَاتَانِ الْمَرْأَتَانِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتَا تَذُودَانِ غَنَمَهُمَا عَنِ الْمَاءِ، حَتَّى يَصْدُرَ عَنْهُ مَوَاشِي النَّاسِ، ثُمَّ تَسْقِيَانِ مَاشِيَتَهُمَا لِضَعْفِهِمَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: تَذُودَانِ النَّاسَ عَنْ غَنَمِهِمَا.
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ:"حَابِسَتَيْنِ شَاءَهُمَا تَذُودَانِ النَّاسَ عَنْ شَائِهِمَا"
وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ: تَحْبِسَانِ غَنَمَهُمَا عَنِ النَّاسِ حَتَّى يَفْرُغُوا مِنْ سَقْيِ مَوَاشِيهِمْ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: {مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ} عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا إِنَّمَا شَكَتَا أَنَّهُمَا لَا تَسْقِيَانِ حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ، إِذْ سَأَلَهُمَا مُوسَى عَنْ ذَوْدِهِمَا، وَلَوْ كَانَتَا تَذُودَانِ عَنْ غَنَمِهِمَا النَّاسَ، كَانَ لَا شَكَّ أَنَّهُمَا كَانَتَا تُخْبِرَانِ عَنْ سَبَبِ ذَوْدِهِمَا عَنْهَا النَّاسَ، لَا عَنْ سَبَبِ تَأَخُّرِ سَقْيِهِمَا إِلَى أَنْ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ.
وَقَوْلُهُ: {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ مُوسَى لِلْمَرْأَتَيْنِ مَا شَأْنُكُمَا وَأَمْرُكُمَا تَذُودَانِ مَاشِيَتَكُمَا عَنِ النَّاسِ، هَلَّا تَسْقُونَهَا مَعَ مَوَاشِي النَّاسِ وَالْعَرَبِ، تَقُولُ لِلرَّجُلِ: مَا خَطْبُكَ: بِمَعْنَى مَا أَمَرُكَ وَحَالُكَ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
[البحر الرجز]
يَا عَجَبًا مَا خَطْبُهُ وَخَطْبِي
وَقَوْلُهُ: {قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ}