إذاً تبدأ السورة ببيان أن هذا القرآن من عند الله وهو كلام مُعجز، ثم من الآية الثالثة تبدأ السورة وتشرع في حكاية وفي قصِّ قصة نبي الله موسى عليه السلام، من قبل ميلاده إلى بعثته نبياً وتلقيه الوحي عن الله سبحانه وتعالى، هذه الفترة التي ربما لم تُذكر بهذا التفصيل في سورةٍ أخرى، فليس هذا تكراراً إنما هو تفصيلٌ لم يسبق له مثيل ولم يتكرر له مثال، كيف كان الأمر قبل ميلاد موسى وحين وُلد موسى وخافت أمه عليه ماذا فعلت، وكيف أوحى الله إليها ووجهها، وماذا كان من أمر موسى والإعجاز العظيم الذي أعجزه الله لفرعون .. ، قصة ما شاء الله في منتهى الحسن، ومنتهى الظرف، ومنتهى البلاغة، ولها هدفها وعبرتها.
وبعدها يتوجه الخطاب إلى هذه الأمة وكأنه يقول لهم: أرأيتم من خلال هذا المشهد الكوني من حياة نبي الله موسى عليه السلام، مع العنيد الطاغية فرعون، أرأيتم كيف فعل الله، وكيف قضى الله، وكيف كانت قدرة الله وإرادته غالبةً على كل شيء، ألا يُؤمن بهذا الإله، ألا يُصدق قوله، ألا يُتبع هديه وشرعه، ألا يُخاف المقام بين يديه يوم القيامة، وذكرت السورة يوم القيامة ذكراً خفيفاً لطيفاً سريعاً، يتناسب مع السياق، وتُذكِّر أيضاً السورة بقدرة الله العظيمة ليس في فرعون فقط وإنما في الدنيا كلها حيث جعل حياة الناس ليلاً ونهاراً متعاقبين متتابعين لمصلحة حياة هذا الإنسان ولو شاء الله ولو أراد الله لفعل، وما منعه مانع، لو شاء الله تعالى أن يجعل الدنيا كلها نهاراً سرمداً إلى يوم القيامة، أو ليلاً دامساً دائماً إلى اليوم القيامة، لا يستطيع أحدٌ أن يمد الناس بالجزء الناقص من ليلٍ يسكنون فيه أو ضياءٍ يبصرون به، لا يستطيع أحدٌ ذلك، ألا تؤمنوا بالله الواحد.