ثم بعد ذكر هذه الحروف يأتي ذكر شرف القرآن العظيم"تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ"، وهذا غالبٌ في السور التي بُدأت بالأحرف المفردة يأتي بعد هذه الأحرف تنويهٌ وتلميحٌ بشرف القرآن العظيم، مما جعل جمهوراً من العلماء يقولون: إن ذكر هذه الحروف في كثيرٍ من السور المكية وعلى هذا النحو تُقرأ حرفاً حرفاً، عداً وسرداً، لا تُقرأ كلمة واحدة وإنما طسم وإنما طا سين ميم؛ ذلك ليُعجز الله الكافرين الذين ادعوا أن القرآن من عند محمداً صلى الله عليه وسلم افتراه أو علمه بشرٌ آخر، أو أنه تلقاه عن جنيٍّ؛ رأيٍّ له يستحضره ويسمع منه ثم يتلو على الناس، وكل هذا ادعاءٌ وكذبٌ واتهامٌ باطل"انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا"، صاحب الحق لا يتردد [5] ، لو كانوا على حقٍ ما قالوا هذا كلام محمد"إِفْكٌ افْتَرَاهُ"، ثم يرجعون فيقولون:"إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ"، ثم يقولون:"إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ"، إذاً هم مترددون في كلامهم لا ينطقون بحقٍ واضح، إنما تلوح أمامهم الشُبَه وتطير بهم الأهواء فيصفونه كل مرةٍ بوصفٍ ولا يشعرون أن كلامهم قد تضارب وتناقض، فالحق إذاً أن القرآن من عند الله.
وهذه بعض حروفه الطاء والسين والميم ونحوها، بعض حروف القرآن، وهي الحروف نفسها التي تركبون منها كلامكم يا عرب، فإن كان القرآن من عند المخلوقين فأنتم من أبلغ المخلوقين ومن أقدر المخلوقين على صناعة الكلام نثراً في الخطب والدروس وشعراً منظوماً موزوناً"فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ"،"فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ"،"فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ"، فعجزوا ولم يُرفع لهم رأس، ولم يتحرك لهم لسانٌ في هذا المجال، فحق قول الله تعالى"قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا".