إذاً اعلموا أن النبي غير الشاعر، الشاعر شيء والنبي من الأنبياء شيءٌ آخر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم خاصةً شيءٌ آخر، فهو أفضل النبيين على الإطلاق، كذلك الشعر شيء معروفٌ بنظمه وأوزانه وقافيته وشكله، يتكون من أبيات والبيت يتكون من شطرتين، القرآن يتكون من سور والسورة تتكون من آيات، والآية تتكون من كلمات، وليس فيه ما يسمى بالقافية - اتفاق الحرف الأخير - جاء هذا في بعض السور فقط، ويسمى مثله في كلام الناس في الخطب والمواعظ وما إلى ذلك، يقال له سجع، توافق الحرف الأخير ولكنه يتغير أثناء الكلام، جاء شيءٌ من ذلك في القرآن لكي يشتمل القرآن على كل بلاغةٍ في كلام العرب ويعجزهم بذلك، إنما ليست كل السور كذلك وليست كل الآيات كذلك، تسمى سجعاً عند الناس وتسمى فواصل في علوم القرآن، فواصل القرآن ولا تقل سجع القرآن، فجاء القرآن بشكلٍ مفترقٍ تماماً عن الشعر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم غير الشعراء تماماً لم يشابههم في شيء، بل قال الله تعالى"وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ"، ما علمه الله الشعر وما ينبغي له أن يتعلم الشعر أو يقول الشعر، ولذلك ما نظم النبي عليه الصلاة والسلام أبداً ولا بيتاً واحداً من الشعر، وإن خرج بعض كلامه أحياناً يشبه الشعر، يوم حنين حين اغتر المسلمون بكثرتهم فلقنهم الله درساً فتفرقوا واختلفوا وكادوا ينهزمون، قام النبي صلى الله عليه وسلم بين الناس على دابته ينادي دون خشيةٍ أو خوفٍ من أحد"أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب"( [12] ، لكن لا يشترط أن يكون هذا شعراً فليس قصيدة إنما كلمة، جملتان جاءتا هكذا على شكل فصيح بليغ، بل كان عليه الصلاة والسلام إذا اضطر في كلامه مع أصحابه لأن يقول بيتاً من الشعر ينقله عن غيره من الشعراء السابقين في الجاهلية، فكان عليه الصلاة والسلام يغير بين الكلمات يأتي بهذه الكلمة مكان هذه فيختل وزن البيت، بعد أن كان موزوناً على أوزان مخصوصة، صار الآن غير موزون، صار كلاماً عادياً، كما تكلم يوماً بهذا البيت:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً
ويأتيك بالأخبار من لم تُزَّود [13]