ومنها أن الشافعي نص على أن غسالة النجاسة طاهرة إذا لم تتغير بنجس ، واي فرق بين أن يلاقي الماء النجاسة بالورود عليها أو بورودها عليه ، وأي معنى لقول القائل: إن قوة الورود تدفع النجاسة مع أن قوة الورود لم يتمنع المخالطة؟ ومنها أنهم كانوا يستنجون على أطراف المياه الجارية القليلة. وقال الشافعي: إذا وقع بول في ماء جارٍ ولم يتغير جاز الوضوء به. وايّ فرق بين الجاري والراكد؟ والتعويل على قوة الماء بسبب الجريان ليس أولى من التعويل على عدم التغير. ومنها أنه لو وقعت نجاسة في قلتين فكل كوز يؤخذ منه فهو طاهر عنده ، ومعلوم أن البول ينتشر فيه وهو قليل فأي فرق بينه إذا وقع ذلك البول في ذلك القدر من الماء ابتداء وبينه إذا وصل غليه عند اتصال غيره به؟. ومنها أن الحمامات لم تزل في الأعصار الخالية يتوضأ منها المتقشفون مع علمهم بأن اليدي والأواني الطاهرة والنجسة كانت تتوارد عليها ، ولو كان التقدير بالقلتين وغير ذلك معتبراً لاشتهر وتواتر. ومنها أن النصوص في التقدير متخالفة ؛ أما تقدير أبي حنيفة بالعشر في العشر فمجرد تحكم ، وأما تقدير الشافعي بالقلتين بناء على قوله صلى الله عليه وسلم"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً"فضعيف. لأن راوية مجهول ، فإن الشافعي لما روى هذا الخبر قال: أخبرني رجل. فيكون الحديث مرسلاً والمرسل عنده ليس بحجة. سلمناه ولكن القلة مجهولة فإنها تصلح للكوز وللجرة ولكل ما يقل باليد وهي أيضاً اسم لهامة الرجل ولقلة الجبل. سلمنا لكن في متن الخبر اضطراب ، فقد روي"إذا بلغ الماء قلتين"وروي"إذا بلغ قلة"وروي"أربعين"وإذا بلغ كرين"سلمنا صحة المتن لكنه متروك الظاهر لأن قوله"لم يحمل خبثاً"لا يمكن إجراؤه على ظاهره ، فإن الخبث إذا ورد عليه فقد حمله. سلمنا إجاءه على الظاهر لكن الخبث لغوي وشرعي وحمله على اللغوي لكونه حقيقة أولى ، فمعنى الحديث أن لا يصير مستقذراً طبعاً."