ومن الناس من فرق بين القليل والكثير ثم اختلفوا في حد الكثير: فعن عبد الله بن عمر: إذا كان الماء أربعين قلة لم ينجسه شيء وقال سعيد بن جبير: الماء الراكد لا ينجسه شيء إذا كان قدر ثلاث قلال. وقال الشافعي: إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه. وقد ينصر من المذاهب قول مالك لوجوه منها: قوله {وأنزلنا من السماء ماء طهوراً} ترك العمل به في الماء الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه لظهور النجاسة فيه ، ولقوله"خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه"فبقي ما عداه على الأصل. ومنها قوله تعالى: {فاغسلوا} والمتوضئ بهذا الماء قد غسل أعضاءه ولا سيما إذ1 كانت النجاسة مستهلكة فيه لا يظهر عليه آثارهما وخواصها من الطعم أو اللون أو الريح. ومنها أن عمر توضأ من جرة نصرانية مع أن نجاسة أوانيهم غالبة على الظن ، فدل ذلك على أنه لم يعول إلا على عدم التغير. ومنها أن تقدير الماء بمقدار معلوم لو كان معتبراً كالقلتين عند الشافعي وعشر في عشر عند أبي حنيفة ، لكان أولى المواضع بذلك مكة والمدينة لأنه لا تكثر المياه هنالك لا الجارية ولا الراكدة ، ولم ينقل أ ، هم خاضوا في تقدير المياه ولا أنهم سألوا عن كيفية حفظها ، وكانت أوانيهم يتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات ، وكانوا لا يمنعون الهرة من شرب الماء وقد اصغى لها الإناء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا يرون أنها تأكل الفأرة ، ولم يكن في بلادهم حياض تكرع السنانير فيها.