وسفلاً وظاهرًا وباطنًا، فهو لذلك أقرب إلى الموجود من نفسه وروحه وذاته،
وأقرب من القرب، ذلك لمضاء صفاته وعظمة شأنه بحكم الاستواء الذي هو فعله
وأمره على ذلك يظهر أمره وتدبيره وحكمه وخلقه على سنن سنته، إلى ما سوى
هذا من مقتضيات أسمائه وصفاته.
هذا بحكم التنزل المعبر عنه بالاستواء، آية ذلك تسويته الأجسام بأرواحها
وحياتها وصفات ذواتها، وبذلك يحيا المحل ويعلم ويقدر، ويحسن ويعقل ويدرك
ما يصيب محله ذلك من لذة وألم، وقد كان ذلك المحل قبل استواء الروح عليه
الذي هو العبد بضد ذلك.
والله - جلَّ جلالُه - أعلى صفات وأجلى وصفا لم يزل عالمًا لما قبل الاستواء وبعده،
لكن بالاستواء قرب إلينا تحقيق ذلك بالعلم والمشاهدة منا لأنفسنا، قال الله - جل
ذكره: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ) وقال: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20)
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) .
فجعل استواء الروح في الجسم وحياة الجسم به وعلمه ما يصيب جسمه آية
على ذلك بقوله:(يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا
يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)وقال:(لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ).
(وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(27)
من تحقق في علم هذه الجملة وعلم ما أشير إليه فيها على القدر المقسوم منه
للبشري الضعيف وصل إلى اليقين بذلك، ويسر له ما عسر على سواه (وَاللَّهُ يَقُولُ
الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) .
وإنما يكون ذلك بترداد الفكر وتدأب التذكر، والمواظبة على البصر والتبصر
بعد اللجأ إلى الله - جل ذكره - كما تقدم، واقتفاء سبل الموصوفين الذين هم عباد
الرحمن، فيعطى من علم ذلك على قدر ما بذل من جهده، واستفرغ له من وسعه،
وكان - إن شاء الله - من أئمة المتقين، والله - جلَّ جلالُه - قد شهد لهم بأنهم عباد الرحمن،
وبأنهم الخبراء بعلم العلماء به أحال الطالبين علمه عليهم؛ كما أحالهم على