وإفراد اسم الرب دل على أن المراد رب جميع الخلق وهو الله تعالى إذ ليس ثمة رب يستحق هذا الاسم بالإفراد والإضافة إلى جميع الناس إلا الله ، فإن المشركين وإن أشركوا مع الله آلهة إلا أن بعض القبائل كان لها مزيد اختصاص ببعض الأصنام ، كما كان لثقيف مزيد اختصاص باللات كما تقدم فِي سورة الفاتحة وتبعهم الأوس والخزرج كما سيأتي فِي تفسير قوله تعالى: {فمن حج البيت أو اعتمر} [البقرة: 158] فِي هذه السورة فالعدول إلى الإضافة هنا لأنها أخصر طريق فِي الدلالة على هذا المقصد فهي أخصر من الموصُول فلو أريد غير الله لقيل اعبدوا أربابكم فلا جرم كان قوله: {اعبدوا ربكم} صريحاً فِي أنه دعوة إلى توحيد الله ولذلك فقوله: {الذي خلقكم} زيادة بيان لموجب العبادة ، أو زيادة بيان لما اقتضته الإضافة من تضمن معنى الاختصاص بأحقية العبادة.
وقوله: {والذين من قبلكم} يفيد تذكير الدهريين من المخاطبين الذين يزعمون أنهم إنما خلقهم آباؤهم فقالوا {نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24] فكان قوله: {والذين من قبلكم} تذكيراً لهم بأن آباءهم الأولين لا بد أن ينتهوا إلى أب أول فهو مخلوق لله تعالى.
ولعل هذا هو وجه التأكيد بزيادة حرف (من) فِي قوله: {من قبلكم} الذي يمكن الاستغناء عنه بالاقتصار على قبلكم ، لأن (من) فِي الأصل للابتداء فهي تشير إلى أول الموصوفين بالقبْلية فذكرها هنا استرواح لأصل معناها مع معنى التأكيد الغالب عليها إذا وقعت مع قبل وبعد.
والخلق أصله الإيجاد على تقدير وتسوية ومنه خلَق الأديمَ إذا هيأه ليقطعه ويخرزه ، قال جبير فِي هرم بن سنان:
ولأَنْتَ تفري ما خَلَقْتَ وبَعْ...
ض القوم يَخْلقُ ثم لا يفري