ولا يرد أن تعليل الخلق وهو فعله تعالى مما لم يجوزه أكثر الأشاعرة حيث منعواعليل أفعاله سبحان بالأغراض لئلا يلزم استكماله عز شأنه بالغير وهو محال لأنا نقول الحق الذي لا محيص عنه أن أفعاله تعالى معللة بمصالح العباد مع أنه سبحانه لا يجب عليه الأصلح، ومن أنكر تعليل بعض الأفعال لا سيما الأحكام الشرعية كالحدود فقد كاد أن ينكر النبوة كما قاله مولانا صدر الشريعة، والوقوف على ذلك فِي كل محل مما لا يلزم، على أن بعضهم يجعل الخلاف فِي المسألة لفظياً لأن العلة إن فسرت بما يتوقف عليه ويستكمل به الفاعل امتنع ذلك فِي حقه سبحانه، وإن فسرت بالحكمة المقتضية للفعل ظاهراً مع الغنى الذاتي فلا شبهة فِي وقوعها ولا ينكر ذلك إلا جهول أو معاند، وإنما لم يقل سبحانه فِي النظم تعبدون لأجل اعبدوا أو اتقوا لأجل تتقون ليتجاوب طرفاه مع اشتماله على صنعة بديعة من رد العجز على الصدر لأن التقوى قصارى أمر العابد فيكون الكلام أبعث على العبادة وأشد إلزاماً كذا قيل، وفي القلب منه شيء، وسبب حذف مفعول {تَتَّقُونَ} مما لا يخفى، وابن عباس رضي الله تعالى عنه يقدره الشرك، والضحاك النار، وأظنك لا تقدر شيئاً، ولما أمر سبحانه المكلفين بعبادة الرب الواجد لهم ووصفه بما وصفه، ومعلوم أن الصفة آلة لتمييز الموصوف عما عداه وأن تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية أشعرت الآية أن طريق معرفته تعالى والعلم بوحدانيته واستحقاقه العبادة النظر فِي صنعه، ولما كان التربية والخلق اللذان نيط بهما العبادة سابقين على طلبها فهم أن العبد لا يستحق ثواباً حيث أنعم عليه قبل العبادة بما لا يحصى مما لا تفي الطاقة البشرية بشكره ولا تقاوم عبادته عشر عشره، واستدل بالآية من زعم أن التكليف بالمحال واقع حيث أمر سبحانه بعبادته من آمن به ومن كفر بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنون وأنهم عن ضلالتهم لا يرجعون، وقد تقدم الكلام فِي ذلك فارجع إليه. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 181 - 187}