والناس: اسم جمع على ما حققه جمع ، والجموع وأسماؤها المحلاة بأل للعموم حيث لا عهد خارجي كما يدل عليه وقوع الاستثناء والأصل فيه الاتصال هو يقتضي الدخول يقيناً ولا يتصور إلا بالعموم ، ونحو ضربت زيداً إلا رأسه وصمت رمضان إلا عشره الأخير عام تأويلاً ، وكذا التأكيد بما يفيد العموم إذا لو لم يكن هناك عموم كان التأكيد تأسيساً والاتفاق على خلافه ، وشيوع استدلال الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالعموم كما فِي حديث السقيفة وهم أئمة الهدى.
ثم هذا الخطاب فِي نحو {يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس} يسمى بالخطاب الشفاهي عند الأصوليين قالوا: وليس عاماً لمن بعد الموجودين فِي زمن الوحي أو لمن بعد الحاضرين مهابط الوحي ، والأول: هو الوجه وإنما يثبت حكمه لهم بدليل آخر من نص أو قياس أو إجماع ، وأما بمجرد الصيغة فلا ، وقالت الحنابلة: بل هو عام لمن بعدهم إلى يوم القيامة واستدل الأولون بأنا نعلم أنه لا يقال للمعدومين نحو {يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس} قال العضد: وإنكاره مكابرة وبأنه امتنع خطاب الصبي والمجنون بنحوه وإذا لم نوجهه نحوهم مع وجودهم لقصورهم عن الخطاب فالمعدوم أجدر أن يمنع لأن تناوله أبعد ، واستدل الآخرون بأنه لو لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطباً به لمن بعدهم لم يكن مرسلاً إليهم واللازم منتف وبأنه لم يزل العلماء يحتجون على أهل الأعصار ممن بعد الصحابة بمثل ذلك ، وهو إجماع على العموم لهم.
وأجيب: أما عن الأول فبأن الرسالة إنما تستدعي التبليغ فِي الجملة وهو لا يتوقف على المشافهة بل يكفي فيه حصوله للبعض شفاهاً وللبعض بنصب الدلائل والأمارات على أن حكمهم حكم الذين شافههم ، وأما عن الثاني: فبأنه لا يتعين أن يكون ذلك لتناوله لهم بل قد يكون لأنهم علموا أن حكمه ثابت عليهم بدليل آخر قاله غير واحد.
وفي"شرح العلامة"الثاني"للشرح العضدي"أن القول بعموم الشفاهي وإن نسب إلى الحنابلة ليس ببعيد.