وذكر ابن أبي الدنيا أن عمر بن عبد العزيز لما كان في يومه الذي مات فيه قال: أجلسوني، فأجلسوه فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ثلاث مرات، ولكن لا إله إلا اللّه، ثم رفع رأسه فأحط النظر، فقالوا: إنك لتنظر نظرا شديدا يا أمير المؤمنين، فقال: إني لأرى حضرة ما هم بأنس ولا جن، ثم قبض.
وقال مسلمة بن عبد الملك: لما احتضر عمر بْن عَبْدِ الْعَزِيزِ، كنا عنده فِي قبة، فأومأ إلينا: أَن اخرجوا، فخرجنا، فقعدنا حول القبة، وبقي عنده وصيف، فسمعناه يقرأ هَذِهِ الآية: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص آية 83]
مَا أنتم بإنس ولا جان، ثُمَّ خرج الوصيف، فأومأ إلينا أَن ادخلوا فدخلنا، فَإِذَا هُوَ قد قبض.
وقال فضالة بن ديار: حضرت محمد بن واسع وقد سجى للموت، فجعل يقول: مرحبا بملائكة ربي ولا حول ولا قوة إلا باللّه، وشممت رائحة طيب لم أشم قط أطيب منها، ثم شخص ببصره، فمات.
والآثار في ذلك أكثر من أن تحصر.
وأبلغ وأكفى من ذلك كله قول اللّه عز وجل: {فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. ونَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ ولكِنْ لا تُبْصِرُونَ}
أي أقرب إليه بملائكتنا ورسلنا ولكنكم لا ترون، فهذا أول الأمر وهو غير مرئي لنا ولا مشاهد وهو في هذه الدار.
ثم يمد الملك يده إلى الروح فيقبضها ويخاطبها، والحاضرون لا يرونه ولا يسمعونه، ثم تخرج فيخرج لها نور مثل شعاع الشمس، ورائحة أطيب من رائحة المسك، والحاضرون لا يرون ذلك ولا يشمونه. ثم تصعد بين سماطين من الملائكة والحاضرون لا يرونهم. ثم تأتي الروح فتشاهد غسل البدن وتكفينه وحمله وتقول: قدموني قدموني، أو إلى أين تذهبون بي، ولا يسمع الناس ذلك، فإذا وضع في لحده وسوي عليه التراب لم يحجب التراب الملائكة عن الوصول إليه، بل لو نقر له حجر فأودع فيه وختم عليه بالرصاص لم يمنع وصول الملائكة إليه، فإن هذه الأجسام الكثيفة لا تمنع خرق الأرواح لها، بل الجن لا يمنعها ذلك، بل قد جعل اللّه سبحانه الحجارة والتراب للملائكة بمنزلة الهواء للطير، واتساع القبر وانفساحه للروح بالذات والبدن تبعا، فيكون البدن في لحد أضيق من ذراع، وقد فسح له مد بصره تبعا لروحه.