88 -وبعد أن قررهم بأن العالمين العلوي والسفلي ملك له تعالى، أمره أن يقررهم بأن له تدبير شؤونهما وتدبير كل شيء، فقال: {قُلْ} لهم يا محمد {مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} مما ذكر، ومما لم يذكر؛ أي: ملكه التام، فإن الملكوت الملك، والتاء للمبالغة. قال الراغب: الملكوت مختص بملك الله تعالى. اهـ.
واليد صفة ثابتة له تعالى نثبتها ونعتقدها , ولا نكيفها, ولا نمثلها. {وَهُوَ يُجِيرُ} ؛ أي: يغيث غيره إذا شاء ويحفظه. {وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ} ؛ أي: ولا يغاث عليه أحد؛ أي: لا يمنع أحد مثله بالنصر عليه؛ أي: لا يمنع أحد أحدًا من عذاب الله، ولا يقدر على نصره وإغاثته، وتعديته بعلى لتضمين معنى النصرة، يقال: أجرت فلانًا، إذا استغاث بك، فحميته، وأجرت عليه إذا حميت عنه.
وفي"التأويلات النجمية": وهو يجير الأشياء من الهلاك بالقيومية، ولا يجار عليه؛ أي: لا مانع له ممن أراد هلاكه {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ذلك فأجيبوني. والمعنى؛ أي: قل لهم: من المالك لكل شيء، والمدبر لكل شيء، وفي قبضته وتحت سلطانه وتصرفه كل شيء، وهو يغيث من يشاء، فيكون في حرز لا يقدر أحد على الدنو منه، ولا يغاث أحد، ولا يمنع منه؛ لأنه ليس في العوالم كلها ما هو خارج عن قبضته.
والخلاصة: أنه المدبر لنظام العالم جميعه، وهو الذي يغيث من شاء، ولا يستطيع أحد أن يغيث منه،
89 -ثم أجاب عن هذا السؤال قبل أن يجيبوا، فقال:
{سَيَقُولُونَ} لك في الجواب {لِلَّهِ} ؛ أي: لله سبحانه ملكوت كل شيء دون غيره، وهو الذي يجير ولا يجار عليه.
{قُلْ} لهم يا محمد على طريق التوبيخ والاستهجان {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} ؛ أي: فكيف تخدعون، وتصرفون عن توحيد الله وطاعته مع علمكم به، فأنتم بعبادة الأصنام، أو بعض البشر قد سحرت عقولكم، كأنما غابت عن رشدها، واعتراها الذهول، فتصورت الأشياء على غير ما هي عليها، فإن من لا يكون مسحورًا مختلًا عقله، لا يكون كذلك، والخادع هو الشيطان، أو الهوى، أو كلاهما.