{هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} : وعليها مقيمون، وبها مستمسكون، لا ينفكون عنها بغيا وطغيانا.
64 - {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} :
أَي: لا يزالون يعملون أعمالهم الفاسدة إلى حين أَخْذ مترفيهم بالعذاب، فيضجون ويرفعون أصواتهم فزعين، قال ابن عباس وغيره،: كان ذلك في يوم بدر؛ فقد قتل منهم في ذلك اليوم عدد كثير من صناديد قريش ورؤسائهم الذين أَفاء الله عليهم بكثرة المال والبنين.
وقال الضحاك: يراد بالعذاب: الجوع الذي نزل بهم حين دعا عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:"اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، اللهم اجعلها علبهم سنين كسِنِي يوسف"فابتلاهم الله بالقحط والجوع حتى أَكلوا الميتة والجيَفَ, وهلكت الأموال والأو
والحق أنه العذاب الأُخروى؛ إذ هو الذي يفاجئون عِنده بالجؤار، فيجابون بالرد والإقناط من النصر والنجدة، وأما عذاب يوم بدر فلم يوجد لهم عنده جؤار حسبما ينبيءُ عنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) } فإن المراد بهذا العذاب ما جرى عليهم يوم بدر.
وأَما عذاب الجوع، فإن أَبا سفيان وإن تضرع فيه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكن لم يرد عليه بالإقناط، حيث روى:"أنه - عليه الصلاة والسلام - قد دعا بكشفه، فكشف عنهم ذلك"اهـ.
{إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} : أي يصرخون ويضجون مستغيثين بربهم من مفاجأة العذاب لهم، وتخصيص مترفيهم بالأخذ بالعذاب مع عموم عذاب الآخرة لهم ولغيرهم، للإشارة إلى أَن ما كانوا فيه من المنعة بحماية الأتباع والحشم لهم في الدنيا، لم ينفعهم يوم القيامة حيث لقوا ما لقوا من الأهوال والشدائد، فلَأن يلقاها سواهم من تابعيهم وحشمهم أحق وأَولى.
65 - {لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ} :
أي: يقال لهم ذلك لتبكيتهم وإقناطهم من أن يستجاب لصراخهم وضجيجهم من جهته تعالى، وتخصيص اليوم بالذكر لتهويله، والإيذان بتفويتهم وقت الجؤار.