السرور بالاجتماع وبعد ذلك قال تعالى حاكيا عمن خفت موازينه (قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ) وبيّن تعالى عظم ما أقدموا عليه بقوله (إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ)
(فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي) فدل بذلك على عظم هذا الجرم ثمّ بين ما لهم من المنزلة بقوله (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ) .
[مسألة]
وربما قيل كيف يجوز أن يقولوا (لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) وذلك كذب منهم لأنه جواب لقوله (قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ) ؟ وجوابنا أنهم لم يريدوا بذلك أحوال حياتهم بل أرادوا حال الوفاة ولم يريدوا بقولهم (لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) التحقيق لأنهم لو أرادوا الخبر لكان هذا القول متناقضا وكأنهم أرادوا أنهم وان كثر لبثهم فهو قليل في حكم يوم أو بعض يوم في أنهم لم ينتفعوا بالتلافي والاستدراك ولذلك قال بعده (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) وقال بعده (وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) فنبه على تقصيرهم حيث أمكنهم التلافي وأنهم فيما بعد فاتهم ذلك وقوله تعالى من بعد (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ) دلالة على أن كل قول لا حجة فيه فهو محرم ولذلك قال تعالى (فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) . انتهى انتهى. {تنزيه القرآن عن المطاعن / للقاضي عبد الجبار (المعتزلي) صـ 277 - 282} .