يأمر الأمة المسلمة بهذا رجاء أن تفلح. فهذه هي أسباب الفلاح.. العبادة تصلها بالله فتقوم حياتها على قاعدة ثابتة وطريق واصل. وفعل الخير يؤدي إلى استقامة الحياة ، الجماعية على قاعدة من الإيمان وأصالة الاتجاه.
فإذا استعدت الأمة المسلمة بهذه العدة من الصلة بالله واستقامة الحياة ، فاستقام ضميرها واستقامت حياتها.. نهضت بالتبعة الشاقة:
{وجاهدوا في الله حق جهاده} .. وهو تعبير شامل جامع دقيق ، يصور تكليفاً ضخماً ، يحتاج إلى تلك التعبئة وهذه الذخيرة وذلك الإعداد..
{وجاهدوا في الله حق جهاده} .. والجهاد في سبيل الله يشمل جهاد الأعداء ، وجهاد النفس ، وجهاد الشر والفساد.. كلها سواء..
{وجاهدوا في الله حق جهاده} .. فقد انتدبكم لهذه الأمانة الضخمة ، واختاركم لها من بين عباده: {هو اجتباكم} .. وإن هذا الاختيار ليضخم التبعة ، ولا يجعل هنالك مجالاً للتخلي عنها أو الفرار! وإنه لإكرام من الله لهذه الأمة ينبغي أن يقابل منها بالشكر وحسن الأداء!
وهو تكليف محفوف برحمة الله: {وما جعلنا عليكم في الدين من حرج} .. وهذا الدين كله بتكاليفه وعباداته وشرائعه ملحوظ فيه فطرة الإنسان وطاقته. ملحوظ في تلبيته تلك الفطرة. وإطلاق هذه الطاقة ، والاتجاه بها إلى البناء والاستعلاء. فلا تبقى حبيسة كالبخار المكتوم. ولا تنطلق انطلاق الحيوان الغشيم!
وهو منهج عريق أصيل في ماضي البشرية ، موصول الماضي بالحاضر: {ملة أبيكم إبراهيم} وهو منبع التوحيد الذي اتصلت حلقاته منذ عهد إبراهيم عليه السلام فلم تنتقطع من الأرض ، ولم تفصل بينها فجوات مضيعة لمعالم العقيدة كالفجوات التي كانت بين الرسالات قبل إبراهيم عليه السلام.
وقد سمى الله هذه الأمة بالمسلمين. سماها كذلك من قبل وسماها كذلك القرآن: {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا} ..