أجيب: بأنّ ذلك لنكتة وهي إفادة بقاء المطر زماناً بعد زمان كما تقول: أنعم عليّ فلان عام كذا فأروح وأغدو شاكراً له ، ولو قلت: فرحت وغدوت شاكراً له لم يقع ذلك الموقع. فإن قيل: لم رفع ولم ينصب جواباً للاستفهام ؟
أجيب: بأنه لو نصب لأعطى عكس ما هو الغرض ؛ لأنّ معناه أنبتت الأخضر فينقلب بالنصب إلى نفي الأخضر ، ووجه ذلك: بأنّ النصب بتقدير أنّ وهو علم للاستقبال فيجعل الفعل مترقباً والرفع جزم بإثباته مثاله أنّ تقول لصاحبك: ألم ترَ أني أنعمت عليك فتشكر ، فإن نصبته فأنت ناف لشكره شاك في تفريطه فيه ، وإن رفعته فأنت مثبت لشكره ، وهذا وأمثاله مما يجب أنّ يتنبه له من اتسم بالعلم في علم الإعراب ، وتوقير أهله {إن الله} أي: الذي له تمام النعم وكمال العلم {لطيف} بعباده في إخراج النبات بالماء {خبير} أي: بمصالح الخلق ومنافعهم ، فإنه مطلع على السرائر ، وإن دقت فلا يستبعد عليه إحياء من أراد بعد موته ، وقال ابن عباس: لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط.
الأمر الثاني: قوله تعالى:
{له ما في السماوات} أي: التي أنزل منها الماء {وما في الأرض} أي: التي استقر فيها ملكاً وخلقاً {وإنّ الله} أي: الذي له الإحاطة التامة {لهو} أي: وحده {الغني} في ذاته عن كل شيء {الحميد} أي: المستوجب للحمد بصفاته وأفعاله.
الأمر الثالث: قوله تعالى:
{ألم ترَ} أي: أيها المخاطب {أنّ الله} ذا الجلال والإكرام {سخر لكم} فضلاً منه {ما في الأرض} كله من مسالكها وفجاجها ، وما فيها من حيوان وجماد وزرع وثمار ، فلولا تسخيره تعالى الإبل والبقر مع قوتهما حتى ذللهما للضعيف من الناس لما انتفع بهما أحد منهم.
الأمر الرابع: قوله تعالى: {والفلك} أي: وسخر لكم الفلك أي: السفن ، ثم بيّن تسخيرها بقوله: {تجري في البحر} العجاج المتلاطم بالأمواج بريح طيبة للركوب والحمل {بأمره} أي: بإذنه.