ثم أثنى على هذه الأمة بقوله {ملة أبيكم} أي أعني ملة أبيكم، ويجوز أن ينتصب بمضمون ما تقدم كأنه قيل: وسع دينكم توسعة ملة أبيكم فأقام المضاف إليه مقام المضاف، وإنما كان إبراهيم أبا هذه الأمة لأنه أبو الرسول صلى الله عليه وسلم وكل نبي أبو أمته. والمراد أن التوحيد والحنيفية هي مما شرعه إبراهيم. {هو} أي الله أو إبراهيم {سماكم المسلمين من قبل} أي في سائر الكتب أو في قوله {ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} [البقرة: 128] {وفي هذا} القرآن أما إن كان المسمى هو الله فظاهر، وأما إن كان هو إبراهيم فلعله أراد أن حكاية دعائه مذكورة في القرآن. وقوله {ليكون الرسول} متعلق بقوله {هو اجتباكم} أي فضلكم على الأمم لهذا الغرض نظيره قوله في البقرة {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا} [الآية: 143] والأصل تقديم الأمة كما في"البقرة"لأن الخطاب معهم وليقع الختم على شهادة الرسول كما هو الواقع إلا أنه عكس الترتيب في هذه السورة ليناط به قوله {فأقيموا الصلاة} والمراد إذ خصكم بهذه الكرامة فاعبدوه واعتصموا بدلائله العقلية والسمعية أو بألطافه وعنايته. قال ابن عباس: سلوا الله العصمة عن كل المحرمات. وقال آخرون: اجعلوه عصمة لكم مما تحذرون فهو خير مولى وناصر. استدلت المعتزلة بالآية في قولهم إنه يريد الإيمان من الكل من وجوه: الأول أنه أراد أن يكونوا شهداء ولن يكونوا كذلك إلا إذا آمنوا، الثاني أنه لا يمكن الاعتصام به إلا إذا لم يوجد منه الشر ألبتة. الثالث أنه لو خلق في عبادة الكفر والمعاصي لم يكن نعم المولى. وأجيب بعد تسليم إرادة الإيمان من الكل أن إرادة الشيء إن كانت مستلزمة لإرادة لوازمه فإرادة الإيمان من الكفار تستلزم أن يكون الله تعالى مريداً لجهل نفسه. وإن لم تستلزم فقد سقط السؤال وأيضاً الاعتصام به إنما يكون منه كقوله"أعوذ بك منه"وأيضاً إنه خلق الشهوة في قلب الفاسق وخلق المشتهي
وقربه منه ودفع المانع وسلط عليه شياطين الإنس والجن، فلو لم تكن كل هذه مقتضية لكونه بئس المولى لم يكن خلق الكفر أيضاً مقتضياً لذلك. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 5 صـ 98 - 104}