وفي قصة سليمان عليه السلام صفحات من تلكم الحضارة النيّرة والحكمة الباهرة، ومنها ما يلي:
* شفقة الراعي وجنوده على الرعية، وذلك في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} ، (( تعني أنهم لو شعروا لم يفعلوا ) )، (( وهذا تنويه برأفته وعدله الشامل لكل مخلوق لا فساد منه، أجراه الله على نملة ليعلم شرف العدل، ولا يحتقر مواضعه، وأن ولي الأمر إذا عدل سرى عدله في سائر الأشياء وظهرت آثاره فيها ) ).
* ومنها تفقد الراعي أحوال رعيته، وذلك في قوله تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ} ، وفي ذلك ما يدل على اليقظة والمحافظة على الرعية، فإذا كان هذا في شأن الطير فكيف بشأن الناس وعظائم الملك، إذا لا يخفى دور ذلك في صلاح الأحوال وإحكام النظام.
كانت تلك بعض ملامح سياسته الداخلية، وقد أشرت فيما سبق إلى ما كان يقوم به من صنائع وأبنية وغيرها.
وأما سياسته الخارجية فقد تجلت بعض جوانبها في قصته مع ملكة سبأ، وقد تركزت حكمته عليه السلام في جميع مراحلها في تفعيل العلم الصحيح لأنه أمضى من قوة السلاح وغيره، فإنه لما جاء الهدهد بخبر قوم سبأ تثبّت عليه السلام أولاً من صحة الخبر، ولم يستفزه طمع ولم يسيطر عليه غضب، (( وإنما طلب الانتهاء إلى ما أخبر وتحصيل علم ما غاب من ذلك حتى يغيره بالحق ويرده إلى الله تعالى ) ) {قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} ، وقد سبق الحديث عما اشتمل عليه هذا الكتاب من قول الحكمة في مبحث الفصاحة.