وذهبت فرقة إلى أن هذا العلم لسليمان كان في جميع الحيوان، والصواب أنه لم يثبت من ذلك إلا منطق الطير، وأما ما ذكره الله عن النملة في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا} فليس فيه ما يدل على الاطراد كفَهْمِ منطق الطير، فالوقوف على ما جاء به النص الكريم أسلم، والله أعلم.
ولئن اختلف العلماء في الطيور وسائر الحيوانات والحشرات هل لها لغات وأفهام وعقول؟ فقد أثبتت الدراسات الحديثة في القرنين الأخيرين أن لكل جماعة لغة يتفاهم بها أفرادها حسب مراداتهم ومدركاتهم، وذلك مظهر حي ووجه من وجوه الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، لكن يجب التنبه إلى أن ما توصل إليه بعض العلماء في هذا المجال يظل معتمداً على المراقبة والاجتهاد، وحبيس الظن والحدس، ولا يمكن أن يرتقي إلى العلم اللدني الذي تفضل الله به على نبيه سليمان عليه السلام على وجه الخارقة والمعجزة خلافاً للمتفلسفة الذين (( لم يُقرّوا بأن الأنبياء يعلمون ما يعلمونه بخبر يأتيهم من الله، لا بخبر ملك ولا غيره، بل زعموا أنهم يعلمونه بقوة عقلية، لكونهم أكمل من غيرهم في قوة الحدس، ويسمون ذلك القوة القدسية ) ).
لا ريب أن قصة سليمان عليه السلام مع هذه الكائنات تنويه صريح بعلمه وقد تضمنت أنموذجاً فريداً للعالم الشاكر المتواضع في شخصية سليمان عليه السلام: أما شكره فقد تمثل في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ} ، وقوله: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} ، وقوله بعد أن سمع كلام النملة: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ} ، فهذه الجمل متضمنة شكر الله على ما وهبه من العلم، ومعنى {أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ} : وفقني لملازمة شكر نعمتك.