وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ دَفَعَا إلَى امْرَأَةٍ مِائَةَ دِينَارٍ وَدِيعَةً، وَقَالَا: لَا تَدْفَعِيهَا إلَى وَاحِدٍ مِنَّا دُونَ صَاحِبِهِ. فَلَبِثَا حَوْلًا، فَجَاءَ أَحَدُهُمَا، فَقَالَ: إنَّ صَاحِبِي قَدْ مَاتَ فَادْفَعِي إلَيَّ الدَّنَانِيرَ. فَأَبَتْ، وَقَالَتْ: إنَّكُمَا قُلْتُمَا لِي لَا تَدْفَعِيهَا إلَى وَاحِدٍ مِنَّا دُونَ صَاحِبِهِ، فَلَسْت بِدَافِعَتِهَا إلَيْك؛ فَثَقُلَ عَلَيْهَا بِأَهْلِهَا وَجِيرَانِهَا حَتَّى دَفَعَتْهَا إلَيْهِ، ثُمَّ لَبِثَتْ حَوْلًا آخَرَ؛ فَجَاءَ الْآخَرُ. فَقَالَ: ادْفَعِي إلَيَّ الدَّنَانِيرَ. فَقَالَتْ: إنَّ صَاحِبَك جَاءَنِي فَزَعَمَ أَنَّك قَدْ مِتّ، فَدَفَعْتُهَا إلَيْهِ. فَاخْتَصَمَا إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: ادْفَعْنَا إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَعَرَفَ عَلِيٌّ أَنَّهُمَا قَدْ مَكَرَا بِهَا؛ فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ قُلْتُمَا: لَا تَدْفَعِيهَا إلَى وَاحِدٍ مِنَّا دُونَ صَاحِبِهِ؟ قَالَا: بَلَى؛ قَالَ: فَإِنَّ مَالَك عِنْدَهَا، فَاذْهَبْ فَجِئْ بِصَاحِبِك حَتَّى تَدْفَعَهُ إلَيْكُمَا.
[فصل: فِي فِرَاسَةِ الْحَاكِمِ]
وَمِنْ فِرَاسَةِ الْحَاكِمِ: مَا ذَكَرَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ: أَنَّ إيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلَانِ، اسْتَوْدَعَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَدِيعَةً؛ فَقَالَ: صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ: اسْتَحْلِفْهُ بِاللَّهِ مَا لِي عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ فَقَالَ إيَاسٌ: بَلْ أَسْتَحْلِفُهُ بِاللَّهِ مَالَك عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَلَا غَيْرُهَا.
وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْفِرَاسَةِ؛ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ:"مَا لَهُ عِنْدِي وَدِيعَةٌ"احْتَمَلَ النَّفْيَ؛ وَاحْتَمَلَ الْإِقْرَارَ فَيَنْصِبُ"مَالَهُ"بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ؛ أَيْ دَفَعَ مَالَهُ إلَيَّ، أَوْ أَعْطَانِي مَالَهُ؛ أَوْ يَجْعَلُ"مَا"مَوْصُولَةً وَالْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ صِلَتَهَا وَوَدِيعَةٌ خَبَرٌ عَنْ"مَا"فَإِذَا قَالَ:"وَلَا غَيْرُهَا"تَعَيَّنَ النَّفْيُ.