فَالْفَهْمُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عُنْوَانُ الصِّدِّيِقِيَّةِ، وَمَنْشُورُ الْوِلَايَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَفِيهِ تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبُ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى عُدَّ أَلْفٌ بِوَاحِدٍ، فَانْظُرْ إِلَى فَهْمِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ سَأَلَهُ عُمَرُ، وَمَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَغَيْرِهِمْ عَنْ سُورَةِ {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1] وَمَا خُصَّ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ فَهْمِهِ مِنْهَا أَنَّهَا نَعْيُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَإِعْلَامُهُ بِحُضُورِ أَجَلِهِ، وَمُوَافَقَةِ عُمَرَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَخَفَائِهِ عَنْ غَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَابْنُ عَبَّاسٍ إِذْ ذَاكَ أَحْدَثُهُمْ سِنًّا، وَأَيْنَ تَجِدُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْإِعْلَامَ بِأَجَلِهِ، لَوْلَا الْفَهْمُ الْخَاصُّ؟ وَيَدِقُّ هَذَا حَتَّى يَصِلَ إِلَى مَرَاتِبَ تَتَقَاصَرُ عَنْهَا أَفْهَامُ أَكْثَرِ النَّاسِ، فَيُحْتَاجُ مَعَ النَّصِّ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَقَعُ الِاسْتِغْنَاءُ بِالنُّصُوصِ فِي حَقِّهِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ صَاحِبِ الْفَهْمِ فَلَا يُحْتَاجُ مَعَ النُّصُوصِ إِلَى غَيْرِهَا.
[فَصْلٌ: فِي صُوَر للحكم بِالْفِرَاسَةِ]
وَمِنْ الْحُكْمِ بِالْفِرَاسَةِ وَالْأَمَارَاتِ: مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَاصَمَ غُلَامٌ مِنْ الْأَنْصَارِ أُمَّهُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَجَحَدَتْهُ، فَسَأَلَهُ الْبَيِّنَةَ، فَلَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ، وَجَاءَتْ الْمَرْأَةُ بِنَفَرٍ، فَشَهِدُوا أَنَّهَا لَمْ تَتَزَوَّجْ وَأَنَّ الْغُلَامَ كَاذِبٌ عَلَيْهَا، وَقَدْ قَذَفَهَا.
فَأَمَرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِضَرْبِهِ، فَلَقِيَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَسَأَلَ عَنْ أَمْرِهِمْ، فَأُخْبِرَ فَدَعَاهُمْ، ثُمَّ قَعَدَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَأَلَ الْمَرْأَةَ فَجَحَدَتْ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: اجْحَدْهَا كَمَا جَحَدَتْك، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّهَا أُمِّي، قَالَ: اجْحَدْهَا، وَأَنَا أَبُوك وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ أَخَوَاك، قَالَ: قَدْ جَحَدْتهَا، وَأَنْكَرْتهَا.