بعينه) من أعظم مواده الأربعة الماء والتراب والهواء والنَّار. قوله ولفرط احتياجه إشَارَة
إلى أنه كما يحتاج إلَى الماء في إيتاء خلقه يحتاج أَيْضًا في بقائه أشد الاحتياج، لكن كونه
علة لخلق كل حيوان من الماء محل نظر، والظَّاهر أن الواو بمعنى أو. قوله بعينه احتراز
عن التراب وجه تَخْصيص الاحتراز عن التراب لأن المشهور أن الْإنْسَان وهو أشرف
الحيوان مخلوق من تراب كما ذكر في مواضع عديدة من الْقُرْآن قيل الخلق منه حِينَئِذٍ
على طريق التشبيه كأنه لفرط احتياجه خلق منه كقَوْله تَعَالَى: (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ)
فيكون مَجَازًا فيلزم الجمع بين الْحَقيقَة والْمَجَاز في نسخة الواو إن لم
يجعل بمعنى أو قوله بعينه، وأما في التراب فالانتفاع بما يحصل منه كالنبات والانتفاع
بالماء كما يكون بعينه كَذَلكَ يكون بما يحصل منه كالنبات أَيْضًا والأثمار وكون الْمُرَاد به
الانتفاع بالتغذية احترازًا عن الثلاثة الباقية تكلف؛ إذ لا معنى للتغذية بالماء.
قوله: (أو صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا يحيا دونه) أو صيرنا كل شيء هُوَ
إشَارَة إلَى أن الجعل يمكن أن يكون من صير فيتعدى إلَى مَفْعُولَيْن الْمَفْعُول الأول كل شيء
والثاني من الماء أي وصيرنا كل شيء [حَيٍّ] كائنًا من الماء بالتَّفْصيل الذي ذكرنا آنفًا. قوله
بسَبَب من الماء حاصل الْمَعْنَى والباء للملابسة والسبب بمعنى الاتصال. قوله من الماء بيان
للسبب قيل: والْمُرَاد أن من في النظم اتصالية كما في قوله:"أنت مني بمنزلة هارون من"
مُوسَى". والْمَعْنَى وصيرنا كل شيء حي متصلًا بالماء مخالطًا له غير منفك عنه. قوله: لا يحيا"
دونه. أي لا يبقى في الحياة بدون الماء إشَارَة إلَى ذلك وذكر الشيء لا ينافي ما عداه فلا
إشكال بأن كل حيوان متصل بالهواء في التنفس فوق الاتصال بالماء عَلَى أن الماء ينتفع
بعينه وبما يحصل منه كما عرفته.
قوله:(وَقُرئَ «حَيًّا» على أنه صفة كُلَّ أو مفعول ثان، والظرف لغو والشيء مخصوص
بالحيوان)عَلَى أنه صفة كل لكن المُتَعَارَف كونه صفة للمضاف إليه لـ كل. قوله أو مَفْعُول ثانٍ
فـ [حِينَئِذٍ] إن كان الْمُرَاد حيًّا حقيقيًا فهو مَخْصُوص بالحيوان وإن عمم إلَى الْمَجَاز بطَريق عموم
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: وانتفاعه بعينه أي غير مخلوط بالبواقي من العناصر الثلاثة الأخر بخلاف تلك الثلاثة
الأخر فإن انتفاع الحيوان بكل من تلك الثلاثة بعد كونه ممتزجًا بالبواقي كالخبز واللحم وأنواع النبات
وفيه نظر فإن الهواء ينتفع بعينه أَيْضًا بالتنفس لتبريد حرارة القلب والنَّار منتفع بها بعينها بالتسخن
وطبخ الأطعمة غير مخلوطين بالبواقي من العناصر فلعل التَّخْصِيص لكون الماء ظَاهر الانتفاع به فإن
قلت ليست النَّار محسوسة بالبصر ظاهرة الانتفاع بها. قلت النَّار التي ينتفع الحيوان بها ليست بنار
خالصة بل هي مخلوطة بالدخان وهو شيء أرضي والنَّار الخالصة ليست المرئية بالبصر.
قوله: وَقُرئَ «حيًّا» عَلَى أنه صفة كُلَّ. هذا عَلَى تقدير كون جعل بمعنى خلق. وقوله أو مَفْعُول
ثانٍ عَلَى تقدير كونه بمعنى صير.