وَقَالَ آخَرُونَ: مِنَ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْتُ مِنْ أَنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِ: {أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِ مَا قُلْنَا، لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ {السَّمَاوَاتِ} وَالْمُرَادُ مِنْهَا وَاحِدَةٌ فَتُجْمَعُ، لِأَنَّ كُلَّ قِطْعَةٍ مِنْهَا سَمَاءٌ، كَمَا يُقَالُ: ثَوْبٌ أَخْلَاقٌ، وَقَمِيصٌ أَسْمَالٌ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ إِنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا، فَالسَّمَاوَاتُ جَمْعٌ، وَحُكْمُ جَمْعِ الْإِنَاثِ أَنْ يُقَالَ فِي قَلِيلِهِ: (كُنَّ) ، وَفِي كَثِيرِهِ (كَانَتْ) ؟
قِيلَ: إِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا صِنْفَانِ، فَالسَّمَاوَاتُ نَوْعٌ، وَالْأَرْضُ آخَرُ , وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ:
[البحر الكامل]
إِنَّ الْمَنِيَّةَ وَالْحُتُوفَ كِلَاهُمَا ... تُوفِي الْمَخَارِمَ يَرْقُبَانِ سِوَادِي
فَقَالَ: كِلَاهُمَا، وَقَدْ ذَكَرَ الْمَنِيَّةَ وَالْحُتُوفَ , لِمَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّهِ عَنَى النَّوْعَيْنِ.
وَقَدْ أُخْبِرْتُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى قَالَ: أَنْشَدَنِي غَالِبٌ النُّفَيْلِيُّ لِلْقَطَامِيِّ:
[البحر الوافر]
أَلَمْ يَحْزُنْكَ أَنَّ حِبَالَ قَيْسٍ وَتَغْلِبَ قَدْ تَبَايَنَتَا انْقِطَاعَا
فَجَعَلَ حِبَالَ قَيْسٍ وَهِيَ جَمْعٌ وَحِبَالَ تَغْلِبَ وَهِيَ جَمْعٌ اثْنَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَحْيَيْنَا بِالْمَاءِ الَّذِي نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ خَصَّ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ بِأَنَّهُ جُعِلَ مِنَ الْمَاءِ دُونَ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ غَيْرِهِ، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ يَحْيَا بِالْمَاءِ الزُّرُوعُ وَالنَّبَاتُ وَالْأَشْجَارُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا حَيَاةَ لَهُ، وَلَا يُقَالُ لَهُ حَيُّ وَلَا مَيِّتٌ؟
قِيلَ: لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا وَلَهُ حَيَاةٌ وَمَوْتٌ، وَإِنْ خَالَفَ مَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ مَعْنَى ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ فِي أَنَّهُ لَا أَرْوَاحَ فِيهِنَّ , وَأَنَّ فِي ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ أَرْوَاحًا , فَلِذَلِكَ قِيلَ: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} وَقَوْلُهُ: {أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}
يَقُولُ: أَفَلَا يُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ، وَيُقِرُّونَ بِأُلُوهَةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ , وَيُفْرِدُونَهُ بِالْعِبَادَةِ؟