وبما أن"سورة الأنبياء"سورة مكية، والشأن في السورة المكية على العموم حسبما دل عليه الاستقراء أن تعنى قبل كل شيء بالدعامة الأولى للدين، وهي (العقيدة) بكل ما تتضمنه من توحيد ونبوة وساعة وبعث، فقد تركز الحديث في هذه السورة حول نفس الموضوع، وتخلل هذا الحديث وصف السنن الإلهية، والنواميس الكونية، التي يسير الكون بمقتضاها سيرا محكما منظما، مما هو برهان ناطق على وحدانية الله، وعنوان صادق على قدرته وحكمته.
وقبل أن نواصل تفسير الآيات البينات الواردة في هذه السورة، نرى من المفيد أن نعطي فكرة ولو مختصرة عن"الطريقة القرآنية"في معرفة وجود الخالق، التي نبه كتاب الله عليها، ودعا كل من أراد معرفة وجوده إليها، وذلك طبقا لما حققه فقيه المغرب والأندلس وحكيم الإسلام أبو الوليد الحفيد ابن رشد في كتابه (الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة) ، فقد اهتدى رحمه الله عن طريق استقراء الكتاب العزيز، إلى أن"الطريقة القرآنية"في هذا المجال تنحصر في نوعين اثنين:
-النوع الأول - أن جميع الموجودات موافقة لوجود الإنسان، ملائمة لحياته، وهذه الموافقة والملاءمة لا يمكن أن تكون بنت الصدفة ومجرد اتفاق محض، وإنما هي بالضرورة صادرة من قبل فاعل قاصد لذلك مريد له، وهو الله تعالى، ولنسم هذا النوع"دليل العناية". فواجب على من أراد أن يعرف الله حق معرفته ويقدره حق قدره أن يفحص عن منافع الموجودات، ويتتبع الحكمة في كل موجود، ليعرف السبب الذي خلق من أجله، والغاية المقصودة به، وبذلك يكون وقوفه على دليل العناية أتم وأكمل. ومن أمثلة هذا النوع: موافقة المكان الذي يوجد فيه الإنسان وهو الأرض، وموافقة الليل والنهار والشمس والقمر، وموافقة الفصول الأربعة، وموافقة كثير من الحيوان والنبات والجماد، لقضاء ضروراته والحصول على حاجياته، وما يستفيده الإنسان وينتفع به من الأمطار والأنهار والبحار، إلى غير ذلك من الأشياء، من كل ما هو موافق لحياته، وملائم لوجوده.