ولعل كل من الحكمين كان سائغًا في شريعتهم وكان ما قاله سليمان أرجح، ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه إياه بعد ذلك إياه فقال: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) } [الأنبياء: 79, 80] .
ثم قال: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً} أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} [الأنبياء: 81, 82] .
وقد ذكر غير واحد من السلف أنه كانت لسليمان من النساء ألف امرأة - سبعمائة
بمهور وثلاثمائة سراري، وقيل بالعكس ثلاثمائة حرائر وسبعمائة من الإماء -، وقد كان يطيق من التمتع بالنساء أمرًا عظيمًا جدًّا.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"قال سليمان بن داود - عليه السلام: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسًا يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه: إن شاء الله فلم يقل فلم تحمل شيئًا إلا واحدًا ساقطًا أحد شقيه؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: لو قالها لجاهدوا في سبيل الله".
الوجه الثاني: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
نقول وما المانع إذا كان الله قد علم سليمان بعض الأشياء التي غابت عن أبيه داود ولا يعني ذلك تفضيل سليمان على داود عليهما السلام فما زال الصغير يستدرك على الكبير وما يزال المفضول يقف على ما لم يقف عليه الفاضل ولا يعني هذا أنه أفضل منه، ثم إن القضية التي حكم فيها داود وسليمان من الأمور الاجتهادية التي يجتهد فيها البشر.