لما طلب سليمان من الجان أن يحضروا له عرش بلقيس وهو سرير مملكتها التي تجلس عليه وقت حكمها قبل قدومها عليه: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) } [النمل: 39] يعني قبل أن ينقضي مجلس حكمك وكان فيما يقال من أول النهار إلى قريب الزوال يتصدى لمهمات بني إسرائيل وما لهم من الأشغال {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} أي وإني لذو قدرة على إحضاره إليه وأمانة على ما فيه من الجواهر النفيسة لديك: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} المشهور أنه آصف بن برخيا وهو ابن خالة سليمان: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} قيل: معناه قبل أن تبعث رسولًا إلى أقصى ما ينتهي
إليه طرفك من الأرض، ثم يعود إليك، وقيل: قبل أن يصل إليك أبعد ما تراه من الناس، وقيل: قبل أن يكل طرفك إذا أدمت النظر به قبل أن تطبق جفنك، وقيل: قبل أن يرجع إليك طرفك إذا نظرت به إلى أبعد غابة منك ثم أغمضته، وهذا أقرب ما قيل: {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ} أي فلما رأى عرش بلقيس مستقرًا عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن إلى بيت المقدس في طرفة عين: {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} أي هذا من فضل الله علي وفضله على عبيده ليخبرهم على الشكر أو خلافه: {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} أي إنما يعود نفع ذلك عليه: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} أي غني عن شكر الشاكرين ولا يتضرر بكفر الكافرين.