وفيه إشارة إلى أن صحبة الأخيار وموازرتهم مرغوب للأنبياء، فضلًا عن غيرهم، ولا ينبغي أن يكون المرء مستبدًا برأيه، مغرورًا بقوته وشوكته، وينبغي أن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه. ولا تقدح وزارة هارون في نبوته، وقد كان أكثر أنبياء بني إسرائيل كذلك؛ أي: كان أحدهم موازرًا ومعينًا للآخر في تبليغ الرسالة، وكان هارون بمصر، حين بعث موسى نبيًا بالشام، وقرأ الجمهور: {اشْدُدْ} {وَأَشْرِكْهُ} على معنى الدعاء في شد الأزر، وتشريك هارون في النبوة، بهمزة وصل في: {أشدد} وهمزة قطع في {أشركه} وقرأ الحسن، وزيد بن علي وابن عامر {أشدد} بفتح الهمزة {وأشركه} بضمها فعلًا مضارعًا مجزومًا في جواب الطلب، وعطف عليه {وأشركه} وقال صاحب"اللوامح"عن الحسن أنه: {أشدد به} مضارع شدد للتكثير والتكرير؛ أي: كلما حزنني أمر .. شددت به أزري، وفي مصحف عبد الله {أخي وأشدد} وقرأ: بفتح الماء من {أخي} ابن كثير، وأبو عمرو، ثم حكى سبحانه: ما لأجله دعا موسى بالأدعية الثلاثة الأخيرة؛ أي: دعوتك يا رب بهذه الأدعية
33 - {كَيْ نُسَبِّحَكَ} تسبيحاً {كَثِيرًا} ؛ أي: ننزهك عما لا يليق بك من الأفعال والصفات، التي من جملتها ما يدعيه فرعون الطاغية، ويقبله منه جماعته الباغية، من ادعاء الشركة في الألوهية
34 - {و} كي {نذكرك} ذكراً {كَثِيرًا} ؛ أي: على كل حال، ونفسك بما يليق بك من صفات الكمال، ونعوت الجمال، والجلال، زمانًا كثيرًا، ومن جملته زمانُ دعوة فرعون، وأوان المحاجة معه، فإن التعاون يهيج الرعيات، ويؤدي إلى تكاثر الخير وتزايده، وانتصاب {كَثِيرًا} في الموضعين: على أنه نعت مصدر محذوف، أو لزمان محذوف، وفيه إشارة إلى أن للجليس الصالح، والصديق الصدّيق أثرًا عظيمًا في المعاونة على كثرة الطاعات، والمرافقة في اقتحام عقبات السلوك، وقطع مفاوزه.