ثم سألتها « آسية » أن تقيم عندها فترضعه فأبَتْ عليها وقالت: إن لي بعلاً وأولاداً ، ولا أقدر على المقام عندك ، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلتُ فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك ، وأجْرَتْ عليها النفقة والصِّلات والكساوى والإحسان الجزيل. فرجعت أم موسى بولدها قد أبدلها الله بعد خوفها أمناً في عزّ وجاه ، ورزق دار (ا ه) من ابن كثير.
وقوله تعالى في آية « القصص » : {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ} [القصص: 13] وعد الله المذكور هو قوله: {وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين} [القصص: 7] والمؤرخون يقولون: إن أخت موسى المذكورة اسمها « مريم » وقوله {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} إن قلنا فيه: إن « كَيْ » حرف مصدري فاللام محذوفة ، أي لكي تقرَّ. وإن قلنا: إنها تعليلية ، فالفعل منصوب بأن مضمرة. وقوله: {تَقَرَّ عَيْنُهَا} قيل: أصله من القرار. لأن ما يحبه الإنسان تسكن عينه عليه ، ولا تنظر إلى غيره: كما قال أبو الطيب:
وخصر تثبت الأبصار فيه... كأن عليه من حدق نطاقا
وقيل: أصله من القر بضم القاف وهو البرد ، تقول العرب: يومٌ قر بالفتح أي بارد ، ومنه قول امرئ القيس:
تميم بن مر وأشياعها... وكندة حولي جميعاً صبر
إذا ركبوا الخيل واستللأموا... تحرقت الأرض واليوم قر
ومنه أيضاً قول حاتم الطائي الجواد:
أوقد فإن الليل ليل قر... والريح يا واقد ريح صر
عل يرى نارك من يمر... إن جلبت ضيفاً فأنت حر
وعلى هذا القول: فقرة العين من بردها. لأن عين المسرور باردة ، ودمع البكاء من السرور بارد جداً ، بخلاف عين المحزون فإنها حارة ، ودمع البكاء من الحزن حار جداً. ومن أمثال العرب: أحر من دمع المقلات. وهي التي لا يعيش لها ولد ، فيشتد حزنها لموت أولادها فتشتد حرارة دمعها لذلك.