فأما الأنصار من أهل المدينة فبايعوه بالأنفس والأموال والأولاد مع ما قيل لهم عند ذلك: إنّ هذا الأمر إن فعلتموه رمَتْكم العرب عن قوس واحدة, فحملهم حُبُّهم له على معاداة جميع العرب ومحاربة جميع الخلق وقالوا: والذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا, فبايعوه وآووه إلى بيوتهم ونصروه وعزّروه وواسوه له ولأصحابه, ولما أمرهم بالقتال قالوا: والله لو أمرتنا أن نُخيضها البحر لأخضناها كما تقدّم, ولما قال: «لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وأهله وماله» , فقال عمر: والله إنك لأحبُّ إليّ مِن كلّ شيء إلا نفسي, فقال له: «لا حتى أكون أحبّ إليك من نفسك» , فقال: والله لأنتَ الآن أحبّ إليّ من نفسي, فقال: «الآن يا عمر» , وهذا باب واسع في محبة أصحابه - رضي الله عنهم - له - صلى الله عليه وسلم - , ومحبة المؤمنين بَعْدَهم كما أخبر - صلى الله عليه وسلم - عمن يأتي بعده حيث قال: «يأتي من بعدي قومٌ يَوَدّ أحدهم لو رآني بأهله وماله» , فهو كذلك بأبي وأمّي هو - صلى الله عليه وسلم - , فمحمد وموسى صلى الله عليهما وسلم محبّتهما في قلب كل سعيد, وكلما عظمت محبة الله للعبد أعظم محبّته في قلوب عباده, ومحبّة الله تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم - أعظم وأكبر,
فمحبته في قلوب الخلق أعظم, وقد روى ثابت البُناني أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «موسى صفي الله وأنا حبيب الله» , ولا يخفى ما بين الكليم والحبيب من التفاضل, ولعظم منزلة محمّد - صلى الله عليه وسلم - عند الله في المحبّة لما قال من قال من الكفّار حين اشتكى فلم يقم ليلة أو ليلتين أنه قد وُدِّع فأنزل الله - عز وجل -: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضُّحى: 1 - 5] . انتهى انتهى {خصائص سيد العالمين، للسُّرَّمَرِّي} ...