أحدهما أن صيغة الأمر معناها الخبر ، قال أبو حيان في البحر المحيط: و {فَلْيُلْقِهِ} أمر معناه الخبر ، وجاء بصيغة الأمر مبالغة ، إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها.
الوجه الثاني أن صيغة الأمر في قوله {فَلْيُلْقِهِ} أريد بها الأمر الكوني القدري ، كقوله {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82] فالبحر لا بد أن يلقيه بالساحل ، لأن الله أمره بذلك كوناً وقدراً. وقد قدمنا ما يشبه هذين الوجهين في الكلام على قوله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً} [مريم: 75] .
وما ذكره جل وعلا في هذه الآيات أوضحه في غير هذا الموضع ، كقوله في « القصص » : {وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [القصص: 7 - 8] وقد بين تعالى شدة جزع أمه عليه لما ألقته في البحر ، وألقاه في اليم بالساحل ، وأخذه عدوه فرعون في قوله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لولا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين} [القصص: 10] .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {يَأْخُذْهُ} مجزوم في جواب الطلب الذي هو {فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل} وعلى أنه بمعنى الأمر الكوني فالأمر واضح. وعلى أنه بمعنى الخبر فالجزم مراعاة لصيغة اللفظ. والعلم عند الله تعالى.